“سؤالٌ غيّر نظرتي إلى التمذهب”هل المشكلة في المذهب… أم في بضاعتنا العلمية؟


خلال الدروس الأسبوعية التي ألقيها للشباب في الفقه، والتي ندرس فيها متن ابن عاشر، مع بيان المعتمد في المذهب المالكي وذكر الخلاف باحترام حتى لا يصطدم أحد برأيٍ آخر في مجتمع متنوع، تكثر الأسئلة.
وفي إحدى الحصص سألتني طالبة:
ألا ترى أن الحديث عن المذاهب قد يربك الشباب، خاصة المسلمين الجدد؟ أليس الأفضل أن نعطيهم جواباً واحداً واضحاً ونقول: هذا هو المنهج، وهذه هي السنة؟
سؤالها أعادني سنوات طويلة إلى الوراء.
لعل من المهم أن أذكر أنني درست الفقه على المذهب المالكي في المدارس العتيقة في المغرب، حيث كان المذهب المالكي هو المعتمد في التدريس. لم أكن غريباً عن المذهب، بل نشأت عليه علمياً.
لكن في أواخر سنوات الدراسة، بل وفي بداياتي في الإمامة والدعوة، بدأت أميل بقوة إلى ما كان -ولا زال- يُسمّى “مدرسة الدليل”. كنت أرى أن كثيراً من الآراء في المذاهب لا دليل عليها، وكنت أقول: ما دامت السنة اليوم مطبوعة ومحققة ومتاحة، فلماذا لا نرجع مباشرة إلى الحديث ونأخذ منه الحكم؟
بدأت أدرّس الفقه خارج الإطار المذهبي. اعتمدت كتباً مثل فقه السنة للسيد سابق، وقرأت في نيل الأوطار للشوكاني، وسبل السلام للصنعاني ودرّست في الصلاة من خلال صفة صلاة النبي للألباني. وكنت أرى أنني أقرّب الناس من السنة مباشرة.
لم يكن قصدي الطعن في أحد، بل كنت أظن أنني أصحّح وأصوّب.
لكنني كنت أصطدم في المساجد، خاصة وأن أغلب روادها من المغاربة الذين تلقوا عباداتهم على الفقه المالكي. كنت أجد نفسي أقول: هذا ليس عليه دليل، وما تفعلونه لا أصل له… وكنت أتحمل ذلك لأنني كنت مقتنعاً أنني أقرّب الناس من السنة.
إلى أن جاءت لحظة غيرت مساري.
في بداياتي في هولندا، طُرحت من خلال جمعية الأئمة التي كنت عضوا فيها فكرة إنشاء معهد لتكوين الأئمة، ودار نقاش حول المنهج الفقهي الذي سيُدرَّس. فقلت بصدق: لماذا ندرّس الفقه على مذهب معين، وكثير من مسائله لا دليل عليها؟ لماذا لا ندرّسه مباشرة من الكتاب والسنة؟
فقال لي أحد المشايخ الذين أكنّ لهم تقديراً كبيراً:
“هل أنت متأكد أن تلك المسائل لا دليل عليها؟ أم أنك لم تستطع بلوغ الدليل؟ هل المشكلة في المذهب… أم في بضاعتك العلمية؟”
توقفت.
لأن المسألة لم تعد: مع الدليل أم ضده.
بل صارت: هل أملك أدوات فهم الدليل أصلاً؟
فهمت أن كتب المتون لا تذكر الأدلة لأنها وُضعت للمبتدئين، تعطيهم النتائج. أما الأدلة فهي مبسوطة في كتب الاستدلال، في طبقات من الجمع والترجيح، في معرفة العام والخاص، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، وفهم السياق ومقاصد الشريعة.
ما كنت أراه “غياب دليل” قد يكون في الحقيقة “غياب اطلاعي على الدليل”.
ثم لاحظت أمراً آخر.
كان يُقال إن الرجوع إلى “مدرسة الدليل” سيجمع الأمة بدل انقسامها إلى أربعة مذاهب. لكن ماذا حصل عملياً؟ المذاهب الأربعة بقيت، وظهرت مدارس أخرى، واختيارات متعددة، وترجيحات متباينة. لم يُلغَ الخلاف، بل تغيّر شكله.
فبدل أن ننتقل من أربعة مذاهب إلى مذهب واحد، وجدنا أنفسنا أمام تعددية جديدة بأسماء مختلفة، واختيارات متباينة، وخلافات لم تختفِ بل تغيّر عنوانها.
بدأت أسأل نفسي:
هل الذي يقول “أنا أتبع الدليل” يتبعه فعلاً؟
أم أنه يتبع فهم عالم معين للدليل؟
الشاب الذي يقول: لا أتبع مذهباً، أنا أتبع الحديث… هو في الحقيقة يعتمد على تصحيح فلان، وترجيح فلان، وفهم فلان. لم يخرج من المنهج، بل انتقل من مدرسة إلى أخرى، غالباً أضيق دائرة وأقل تراكمًا.
وهنا صار السؤال عندي صريحاً:
هل الأفضل أن أعلّق فهمي على ترجيحات محدودة، أم أن أنتمي إلى مدرسة علمية تراكم فيها نظر آلاف العلماء عبر قرون؟
ومع ذلك، لم يكن تحولي يعني أنني أغلقت كتبي، أو توقفت عن قراءة العلماء الذين لا ينتسبون إلى مذهب معين. ما زلت أقرأ لـ محمد ناصر الدين الألباني، وأقرأ لـ سيد سابق، وأقرأ لـ ابن حزم، ولغيرهم من القدامى والمعاصرين، وأحترم اجتهادهم. لكنني صرت أقرأهم بعين مختلفة؛ لا بعين القطيعة مع المذاهب، بل بعين التكامل مع تراث علمي تراكمي.
ثم جاءت تجربة أخرى.
سألتني مرة فتاة في السادسة عشرة عن مسألة، فلما أجبتها قالت: ما دليلك؟
حتى لو ذكرت لها الحديث، هل ستفهم شروط صحته؟ هل ستعرف كيف يُجمع بينه وبين غيره؟ هل تعرف ما إذا كان عاماً أو خاصاً، مطلقاً أو مقيداً؟هي لا تفهم حتى العربية وسؤالها وجوابي كانا بالهولندية!
قلت لها: عندما تذهبين إلى الطبيب، ويفحصك ويصف لك دواء، هل تطلبين منه أن يذكر لك مراجع الأبحاث التي اعتمد عليها؟ أم أنك تثقين في تخصصه؟
المسألة ليست منع السؤال، بل فهم معنى “الدليل”. الدليل ليس شعاراً يُرفع، بل علم يُتقن.
وخلال ما يقارب ثلاثين عاماً من العمل في أوروبا، رأيت أمراً عملياً آخر: المسجد الذي لا يعتمد مرجعية واضحة يبقى رهينة أهواء الأشخاص. يأتي إمام برؤية معينة، فتتغير البوصلة. وبعد سنوات يأتي آخر، فتتغير مرة أخرى. ويبقى الشباب في حيرة.
لهذا صرت أرى أن وجود منهج فقهي واضح، مكتوب، معلن، ليس تعصباً، بل استقراراً. أن يكون للمؤسسة إطار، وأن يُشرح الخلاف، وأن يُحترم المختلف، وأن لا يُلزم الناس في خصوصياتهم، لكن تبقى البوصلة ثابتة.
خاصة في أوروبا، حيث الخلفيات العلمية عند كثير من الشباب بسيطة، والمصادر متاحة بضغطة زر، والتأثر سريع بأي مقطع أو فتوى عابرة، يصبح وضوح المنهج ضرورة تربوية. لا لنغلق باب السؤال، بل لنمنع التشتيت. لا لنلزم الناس، بل لنحميهم من الحيرة.
التمذهب عندي لم يعد يعني الانغلاق، بل يعني اختيار إطار مرجعي واضح، مع احترام سائر الأطر، وفهم أن الخلاف السائغ جزء من سعة هذا الدين.
اليوم لا أرى في المذهب تعصباً، ولا أرى في الحديث شعاراً. أرى أن التواضع أمام العلم سنة، وأن احترام الخلاف رحمة، وأن الاستقرار في المنهج يحفظ الوحدة أكثر مما يحفظها التنقل الدائم بين الآراء.
الإسلام أوسع من أن يُختزل في رأي واحد، لكنه أعمق من أن يُؤخذ بغير منهج. وبين الحماسة الأولى ونضج التجربة، تعلمت أن التواضع أمام العلم سنة أيضاً.

5 1 تصويت
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
1 تعليق
شريف
شريف
1 شهر

مرحبا

5 1 تصويت
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
1 تعليق
شريف
شريف
1 شهر

مرحبا

Scroll to Top
1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x