الحلقة الأولى: لماذا نحتاج إلى اليقين
نحن مسلمون، نؤمن بالله، ونؤمن برسوله صلى الله عليه وسلم، ونؤمن بالقرآن، وباليوم الآخر، والجنة والنار، والحساب والجزاء.
هذه حقائق يعرفها عامة المسلمين، ويرددونها منذ طفولتهم.
لكن السؤال هو:
هل نعيش ما نؤمن به؟
فرقٌ كبير بين أن تعرف حقيقة، وبين أن تبلغ هذه الحقيقة من اليقين في قلبك مبلغًا يؤثر في قراراتك، ويضبط سلوكك، ويثبتك أمام الشبهة، ويمنح عبادتك معنى مختلفًا.
ومن هنا أعتقد أننا اليوم في حاجة شديدة إلى الحديث عن اليقين.
ليس باعتباره موضوعًا عقديًا نظريًا فحسب، وإنما باعتباره حاجة يومية للمسلم: في علاقته بالله، وفي عبادته، وفي مواجهة شهواته، وفي التعامل مع الأسئلة والشبهات التي تحيط به وبأبنائه.
وأحسب أننا نحتاج إلى هذا اليقين لثلاثة أسباب أساسية.
أولًا: يقين يحجزنا عن المعصية
لنتأمل مثالًا بسيطًا نعيشه جميعًا.
قد تقود سيارتك في طريق حُددت السرعة فيه بخمسين كيلومترًا في الساعة، وأنت تعرف القانون جيدًا، ومع ذلك قد تتجاوز السرعة.
لكن ماذا يحدث عندما تعلم أن أمامك كاميرا لمراقبة السرعة؟
في الغالب، ستضبط سرعتك مباشرة.
لماذا؟
هل علمت في تلك اللحظة فقط أن تجاوز السرعة ممنوع؟
لا.
كنت تعرف ذلك من قبل.
لكن الفرق أن العقوبة أصبحت حاضرة في ذهنك بصورة أقوى. أنت تعلم أن الكاميرا ستلتقط لوحة سيارتك، وأن المخالفة ستصل إليك، فتحولت المعرفة إلى سلوك.
وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا سؤالًا أصعب:
نحن نؤمن بأن الله يرانا.
قال تعالى:
﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ﴾.
ونؤمن بأن كل ما نقوله مكتوب:
﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
فكيف يمكن للإنسان أن يخاف من كاميرا صنعها البشر، ثم يتجرأ أحيانًا في خلوته على معصية الله؟
ليس معنى ذلك أنه لا يؤمن بأن الله يراه. ولو سألته: هل يراك الله وأنت تتجاوز حدوده؟ لقال دون تردد: نعم.
لكنْ هناك فرقٌ بين أن تعرف الحقيقة، وأن تكون هذه الحقيقة حاضرة في قلبك لحظة الاختيار.
وهنا يظهر أثر اليقين.
وليس معنى ذلك أن صاحب اليقين لا يذنب؛ فالإنسان بشر، قد تغلبه شهوته أو نفسه أو غفلته، ثم يعود ويتوب. لكن كلما قوي استحضار مراقبة الله والحساب والآخرة في القلب، كان ذلك من أعظم الحواجز أمام المعصية.
وتُنسب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه كلمة بليغة:
«لو كُشف الغطاء ما ازددت يقينًا».
أي أن يقينه بحقائق الغيب بلغ في قلبه درجة عظيمة ما بعدها درجة، إذ لو رٱى تلك الحقائق رأي العين ما زاد يقينها بها قيد أنملة.
وهذا ما نحتاج إليه: ألا تبقى الآخرة حقيقة نؤمن بها فحسب، بل أن تصبح حقيقة تؤثر في الطريقة التي نعيش بها.
ثانيًا: يقين يثبتنا أمام الشبهات
نحن اليوم نعيش في عالم مفتوح، وأبناؤنا يعيشون في عالم أكثر انفتاحًا منا.
لم يعد الشاب يتلقى أفكاره من البيت والمسجد والمدرسة فقط. الهاتف الذي يحمله في يده يفتح أمامه عالمًا كاملًا من الأفكار والفلسفات والأديان والشبهات والأسئلة.
وقد يسأل يومًا:
لماذا أؤمن بالله؟
كيف أعرف أن الإسلام هو الحق؟
كيف أعرف أن القرآن من عند الله؟
ولماذا أؤمن بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول من عند الله؟
وإذا كان الله رحيمًا، فلماذا يوجد الشر والألم؟
هذه الأسئلة ليست افتراضية.
لقد سمعت بعضها من أبنائي، ويسمعها كثير من الآباء من أبنائهم، وقد كانت بعض هذه الأسئلة سببًا في أن أعيد النظر شخصيًا في بعض أولوياتي في الكتابة والخطاب الديني.
وليس السؤال في حد ذاته مشكلة.
بل قد يكون السؤال، إذا وجد من يستمع إليه ويحسن التعامل معه، بداية طريق إلى يقين أعمق.
المشكلة أن يكون الجواب الوحيد الذي نملكه ونقدمه لأبنائنا هو:
نحن مسلمون لأننا وُلدنا مسلمين.
أن نولد في أسرة مسلمة نعمة عظيمة نحمد الله عليها، لكننا نريد لهذا الانتماء الموروث أن يتحول مع الزمن إلى إيمان واعٍ ومعرفة ومحبة ويقين.
نريد لابننا وبنتنا أن يستطيعا أن يقولا:
أنا مسلم، لا لأن أبي وأمي مسلمان فحسب، بل لأنني أعرف لماذا أؤمن بالله، ولماذا أصدق رسوله صلى الله عليه وسلم، ولماذا أؤمن بالقرآن، ولماذا أعتقد أن الإسلام هو الحق.
نريد أن نعلّم أبناءنا بماذا يؤمنون، نعم، ولكن علينا أيضًا أن نساعدهم على أن يفهموا لماذا يؤمنون بذلك.
فالإنسان الذي يعرف لماذا يؤمن ليس كالذي لم يفكر يومًا في أساس إيمانه.
وفي زمن أصبحت فيه الشبهة تصل إلى أبنائنا بضغطة واحدة، أصبح بناء اليقين ضرورة، لا ترفًا فكريًا.
ثالثًا: يقين يحيي العبادة
لكننا لا نحتاج إلى اليقين فقط حتى نبتعد عن المعصية، أو حتى نثبت أمام الشبهة.
نحتاج إليه أيضًا لكي تحيا عبادتنا.
نحن نصلي، ونصوم، ونقرأ القرآن، ونذكر الله، والحمد لله.
لكن كم مرة خرجنا من الصلاة ونحن نشعر فعلًا أننا كنا واقفين بين يدي الله؟
وكم مرة قرأنا القرآن واستحضرنا فعلًا أن الكلمات التي نقرؤها هي كلام رب العالمين؟
وكم مرة وضعنا جباهنا على الأرض واستحضرنا أننا في تلك اللحظة في مقام قرب من الله؟
ذكرني بهذا سؤال بسيط وصادق سمعته يومًا من أحد أبنائي:
«أنا أصلي… لكنني لا أشعر بشيء.»
وربما لا يجرؤ كثير منا على قولها، لكنها قد تكون حالنا أحيانًا.
نصلي، ولكن أين لذة الصلاة؟
وكيف نفهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لبلال رضي الله عنه:
«أرحنا بها يا بلال»؟
كيف كانت الصلاة راحة، بينما قد تصبح عند بعضنا واجبًا نؤديه وننتظر أن ننتهي منه؟
لا أظن أن المشكلة دائمًا في أننا لا نعرف أحكام الصلاة. لقد تعلمنا شروطها وفرائضها وسننها ومبطلاتها، وهذا كله ضروري.
لكننا نحتاج إلى أن نتعلم، إلى جانب أحكام الصلاة، معاني الصلاة.
من الذي أقف أمامه؟
من الذي يسمعني وأنا أقول: الحمد لله رب العالمين؟
من أخاطب غندما أقرأ: إياك نعبد وإياك نستعين؟
ماذا يعني أن أقول: الله أكبر؟
وماذا يعني أن أضع وجهي على الأرض لله؟
وماذا سيتغير في صلاتي لو دخلتها وأنا أستحضر حقًا أن الله يراني ويسمعني؟
وهنا نفهم شيئًا من قول النبي صلى الله عليه وسلم في تعريف الإحسان:
«أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
ويُروى عن علي بن الحسين زين العابدين رحمه الله أنه كان إذا توضأ للصلاة اصفرّ لونه، فسأله أهله عن ذلك، فقال:
«أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟»
ورُوي أنه كان إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة، فإذا سُئل قال:
«ما تدرون بين يدي من أقوم ومن أناجي؟»
إنها الصلاة نفسها التي نصليها، ولكن الفرق في استحضار مَن نقف بين يديه.
نحن نعرف أننا نقف بين يدي الله، ولكن هل نستحضر ذلك فعلًا ونحن نصلي؟
وهنا يظهر مرة أخرى أثر اليقين.
فاليقين لا يمنعك فقط من الحرام؛ بل يمكن أن يغير أيضًا طعم الطاعة.
ولعل هذا يساعدنا على فهم قول إبراهيم عليه السلام:
﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
﴿بَلَىٰ﴾: أنا مؤمن.
﴿وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: أريد مزيدًا من الطمأنينة.
فالإيمان يزداد، واليقين يقوى، والقلب ينتقل من حال إلى حال.
يقين يحرس السلوك ويثبت الفكر ويحيي القلب
لهذا كله، أعتقد أننا في حاجة إلى إعادة الحديث عن اليقين.
نحتاج إلى يقين أمام الشهوة، حتى لا تهزمنا لحظة ضعف ونحن نعلم أن الله يرانا.
ونحتاج إلى يقين أمام الشبهة، حتى نعرف نحن وأبناؤنا لماذا نؤمن.
ونحتاج إلى يقين في الطاعة، حتى لا تبقى الصلاة حركات يؤديها الجسد بينما القلب في مكان آخر.
يقين يحرس السلوك.
ويقين يثبت الفكر.
ويقين يحيي القلب.
وربما كان السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس فقط:
هل نحن مؤمنون؟
فنحن بحمد الله نؤمن.
ولكن:
هل نعيش ما نؤمن به؟
وما مقدار حضور مراقبة الله عندما تعرض علينا المعصية؟
وما مقدار رسوخ إيماننا عندما تعرض علينا الشبهة؟
وما مقدار حضور الله في قلوبنا عندما نقف بين يديه في الصلاة؟
من هنا أريد أن أبدأ رحلة جديدة في الكتابة والحديث عن الإيمان واليقين.
رحلة لا نخاف فيها من السؤال، ولا نقف فيها عند حدود المعلومة، وإنما نحاول أن نعرف أكثر، ونفهم أكثر، ونستدل أكثر؛ حتى ينتقل ما نعرفه من عقولنا إلى قلوبنا، ثم يظهر أثره في حياتنا.
قال تعالى:
﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
وقال سبحانه:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.
ولعل هذه هي الرحلة التي نحتاج إليها:
أن نعرف، ثم نتيقن، ثم نعيش ما عرفناه.
