قبل أسابيع، كنا في السيارة أنا وزوجتي وبعض أبنائنا. وكانت ابنتي الصغيرة، ذات الثماني سنوات، تتحدث عن بعض زميلاتها في القسم، وكيف يقدمن لها أحيانًا أشياء للأكل. وكما يفعل كثير من الآباء والأمهات، كنا ننبهها من حين إلى آخر: انتبهي، لا تأكلي اللحم لأنه قد لا يكون حلالا، اسألي أولًا، وتأكدي مما تأكلين.
في خضم ذلك، التفتت إلينا فجأة وقالت: “لكن لماذا نحن مسلمون أصلًا؟”
كان سؤالًا بسيطًا في ظاهره، لكنه استوقفني وبقي يرنّ في داخلي.
بعدها بأيام، جلست إلى جانب أحد أبنائي المراهقين أحاول تهدئته بعد أن تأثر ببعض المقاطع والمحتويات التي أثارت في نفسه خوفًا وقلقًا. بدأت أحدثه عن معاني الإيمان، وعن أن المؤمن لا يخاف إلا الله، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فإذا بالحوار ينفتح فجأة على أسئلة لم أكن أتوقع أن تخرج بهذه الصراحة من طفل في الثالثة عشرة من عمره.
قال لي: “ما دليلك يا أبي على أن الإسلام هو الدين الحق؟ الآخرون أيضًا يقولون إن دينهم هو الحق.” ثم توالت الأسئلة: لماذا يوجد الشر في العالم إذا كان الله قادرًا على منعه؟ لماذا يموت الأطفال والأبرياء وهم لم يفعلوا شيئًا؟ إذا كان الله قادرًا على هداية الناس، فلماذا لا يهديهم جميعًا؟ ما دام الله لا يحتاج إلينا، فلماذا ألزمنا بالعبادة أصلًا؟ وإذا كان كل شيء معلومًا ومكتوبًا عند الله، فما فائدة أن نصلي ونجتهد ونتعب؟
ثم جاءت الجملة التي آلمتني أكثر من غيرها. كنت أحدثه عن فضل الصلاة، وعن السكينة التي يجدها المؤمن في الإيمان، فقال لي: “أنا أصلي، لكنني لا أشعر بشيء من هذا. لا أعيش ما تتحدثون عنه من سكينة وطمأنينة.”
لا أذكر هذه الواقعة لأتحدث عن حالة خاصة في بيتي، بل لأنها جعلتني أرى عن قرب نوع الأسئلة التي بدأت تزور أبناءنا في سن مبكرة، وربما تحملها صدور كثير منهم بصمت، دون أن تجد من يسمعها أو يلتقط خطورتها.
صحيح أن هذه الأسئلة صدمتني، لكنني في الوقت نفسه حمدت الله أنها خرجت إلى النور. لأن السؤال حين يخرج يمكن أن يُسمع ويُناقش ويُبحث له عن جواب. أما حين يبقى في الداخل، فقد يتحول مع الوقت إلى شك خفي، أو إلى التزام شكلي يؤدي فيه الإنسان الحركات والطقوس بينما قلبه لم يقتنع بعد.
هذه الحادثة جعلتني أعيد النظر في ترتيب أولويات ما نقدمه لأبنائنا ولشبابنا، في البيت، وفي المسجد، وفي المدرسة، وفي خطابنا التربوي والدعوي كله.
نحن – كآباء وأمهات، وكأئمة وخطباء ومدرسين – نبذل جهدًا كبيرًا في تعليم أولادنا الأحكام والتفاصيل: كيف يتوضؤون، وكيف يصلون، وما الذي يجوز وما الذي لا يجوز. وهذا كله مهم ولا غنى عنه، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل نمنح بالقدر نفسه من الجهد والعناية للأسئلة التي تمس أصل الإيمان نفسه؟
هل أبناؤنا مقتنعون أصلًا لماذا هم مسلمون؟
هل يملكون جوابًا عن سؤال: لماذا نؤمن بالله؟
هل يجدون ما يطمئنهم إذا داهمتهم أسئلة الشر، والموت، والعدل، والقدر، والهداية، وصدق الإسلام؟
هل يفهمون معنى العبادة قبل أن نطالبهم بأدائها؟
وهل يعيشون الصلاة بوصفها صلة بالله، أم أنها عند بعضهم لا تعدو أن تكون استجابة لأوامر البيت والأسرة؟
أخشى أننا في كثير من الأحيان نبدأ من الفروع قبل أن نطمئن إلى ثبات الجذور، وننهمك في التفاصيل قبل أن نتحقق من أصل القناعة، بينما الأسئلة التي تطرق أبواب كثير من أبنائنا اليوم تمس صورة الله في القلب، ومعنى العبادة، ومعنى الابتلاء، ومعنى الإيمان نفسه. ولذلك فهي ليست أسئلة هامشية ولا شغبًا مراهقًا ينبغي إسكاتُه، بل ربما كانت من أهم ما ينبغي أن يدخل اليوم في باب العقيدة والتربية الإيمانية.
وحين نتأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، نجد أن المرحلة المكية الطويلة لم تكن عبثًا. ثلاثة عشر عامًا وهو يغرس في القلوب معنى الإيمان بالله، والثقة بوعده، واليقين بالآخرة، ومعنى العبودية. لم تبدأ الدعوة بالتفاصيل، بل بدأت ببناء الأصل الذي تُبنى عليه التفاصيل كلها. وهذا لا يعني التقليل من شأن الفقه والأحكام، وإنما يعني أن ترتيب الأولويات ليس أمرًا ثانويًا.
لذلك فليس هدفي من هذه الكلمات أن أجيب الآن عن هذه الأسئلة، فكل سؤال منها يحتاج إلى وقفة مستقلة. لكن الذي أريد أن أقوله بوضوح هو أن هذه الأسئلة نفسها يجب أن تعود إلى مقدمة ما نقدمه لأبنائنا وشبابنا. لا يكفي أن نطالبهم بالصلاة، بل ينبغي أن نساعدهم أيضًا على أن يفهموا لماذا يصلون. لا يكفي أن نورثهم هوية، بل ينبغي أن نعينهم على بناء قناعة.
والحقيقة أنني كنت أفكر منذ مدة في الاشتغال على هذا الملف، لكن أسئلة أبنائي جعلتني أزداد اقتناعًا بأن الأمر لا يحتمل مزيدًا من التأجيل، وأن الكتابة في هذه القضايا، ومحاولة الإجابة عن الأسئلة العقدية العميقة التي بدأت تُطرح على أبنائنا، يجب أن تصبح من أولى الأولويات.
أسأل الله أن يعينني على فتح هذا الباب كما ينبغي، كتابةً أو في سلسلة مقالات أو حلقات، وأن يجعل فيه نفعًا لأبنائنا وشبابنا، بل ولكل من يبحث بصدق عن الحقيقة والمعنى.
دعواتكم أن يرى هذا المشروع النور قريبًا، وأن يوفقنا الله جميعًا إلى ما ينفع أبناءنا ويحفظ إيمانهم.
وأختم بسؤال للآباء والأمهات والمربين: هل يطرح عليكم أبناؤكم مثل هذه الأسئلة أو ما يشبهها؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل ترون أن الأجوبة التي تقدمونها تصل فعلًا إلى أبنائكم وتقنعهم وتطمئنهم؟.
