بين الحين والآخر تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع وتدوينات تقدم تفسيرًا جاهزًا لمشكلة تخلف المسلمين: المشكلة في الدين، وفي التدين، وفي المساجد، وفي العلماء ورجال الدين.
وتتكرر الفكرة بصيغ مختلفة: لن تتقدم مجتمعاتنا ما دامت المساجد ممتلئة، وما دام للدين حضور قوي في حياة الناس. ثم يُستدعى النموذج الغربي لتأكيد الفكرة: انظروا إلى الغرب، ابتعد عن الدين فتقدم، ونحن تمسكنا به فتخلفنا!
وقد تبدو هذه المقارنة مقنعة لدى البعض، خاصة لمن يقارن بين واقع كثير من البلدان الإسلامية وواقع عدد من المجتمعات الغربية المتقدمة.
لكن هل المسألة بهذه البساطة؟
هل الدين فعلًا هو سبب تخلف المسلمين؟ وهل تقدم الغرب لأنه ابتعد عن الدين؟
لا التدين وحده يبني حضارة، ولا ترك الدين يصنعها.
من الخطأ، في نظري، أن نقيم علاقة سببية بسيطة بين التدين والتخلف، أو بين الابتعاد عن الدين والتقدم.
فالحضارة لا تُبنى بمجرد إعلان مجتمع ما أنه متدين، كما أنها لا تُبنى بمجرد تراجع حضور الدين في حياة الناس.
الحضارة تحتاج إلى العلم والعمل والإتقان، وإلى تعليم جيد وبحث علمي، وإلى العدل والمؤسسات الفاعلة، واحترام القانون وحفظ الحقوق ومحاربة الفساد، واحترام الوقت وتحمل المسؤولية والتخطيط للمستقبل.
والمجتمع الذي يهمل هذه الأسباب سيدفع ثمن إهماله، مهما كانت الشعارات التي يرفعها.
وهنا ينبغي أن نكون صريحين مع أنفسنا نحن المسلمين أيضًا.
لا يكفي أن نقول إن الإسلام دين العلم والحضارة، ثم نرضى لأنفسنا بالجهل وسوء التنظيم وضعف الإنتاج.
ولا يكفي أن نفتخر بحضارة بناها أجدادنا قبل قرون، إذا لم نستطع نحن أن نضيف إلى رصيد الإنسانية شيئًا جديدًا.
لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل في الإسلام ما يمنع المسلم من الأخذ بأسباب الحضارة؟
هل يمنعه من العلم والبحث وإتقان العمل وبناء المؤسسات القوية؟ وهل يأمره بالفساد أو الغش أو تضييع الحقوق؟
بل إن أول ما يلفت النظر أن القرآن الذي يتهمه البعض بأنه عائق أمام التقدم يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، ويجعل العدل أمرًا إلهيًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحسَانِ﴾.
وفي الإسلام دعوة واضحة إلى العلم والعدل والأمانة والإتقان والوفاء بالعهد وتحمل المسؤولية والتعاون على الخير.
فكيف يصبح الدين الذي يدعو إلى هذه القيم مسؤولًا عن غيابها؟
التاريخ نفسه يشهد بما نقول:
فقد عرف المسلمون مراحل ازدهار علمي وفكري وعمراني واقتصادي في فترات كان الدين فيها حاضرًا بقوة في حياة المجتمع. وبرز في تلك البيئة علماء في الطب والرياضيات والفلك والبصريات والهندسة وغيرها من مجالات المعرفة، وكثير منهم جمعوا بين علوم الدين وعلوم الدنيا.
ولست أذكر ذلك من باب التغني بالماضي؛ فالماضي لا يعفينا من مسؤولية الحاضر، ولا يمكن أن نبني مستقبلنا بالتفاخر بما أنجزه غيرنا قبل قرون.
لكن التاريخ هنا يقدم لنا حقيقة يصعب تجاوزها:
وجود الدين لم يمنع قيام الحضارة.
ولو كان الإسلام بطبيعته عدوًا للعلم والعمران، فكيف نشأت في ظله تلك التجربة أصلًا؟
وفي القرآن نفسه نجد نماذج تجمع بين الإيمان وعمارة الدنيا وحسن تدبير شؤونها.
فيوسف عليه السلام لم يكن رجل عبادة منعزلًا عن شؤون الحياة، وإنما تولى مسؤولية في ظرف اقتصادي بالغ الصعوبة، ووضع خطة لمواجهة سنوات الخصب والجفاف، وأدار الموارد بما يحفظ المجتمع من المجاعة.
وسليمان عليه السلام يجمع القرآن في قصته بين النبوة والملك والقوة والعمران والتنظيم.
فلا نجد في التصور القرآني ذلك الفصل الذي يجعل الاهتمام بالدنيا والعمران نقيضًا للإيمان بالله.
وهل تقدم الغرب فعلًا لأنه ترك الدين؟
هذه أيضًا مقولة تحتاج إلى شيء من التدقيق.
فالحضارة الغربية المعاصرة لم تظهر فجأة في اللحظة التي تراجع فيها حضور الدين، وإنما هي ثمرة تراكم تاريخي طويل ومعقد، شاركت فيه عوامل دينية وفلسفية وعلمية واقتصادية وسياسية واجتماعية متعددة.
ولهذا فإن النظر إلى أوروبا اليوم والقول: هذه مجتمعات متقدمة وأقل تدينًا، إذن سبب تقدمها هو ابتعادها عن الدين، استنتاج متعجل.
فتزامن أمرين لا يعني بالضرورة أن أحدهما سبب الآخر.
ولنسأل بطريقة أخرى:
هل تقدم الغرب لأنه أغلق الكنائس، أم لأنه فتح المدارس والجامعات ومراكز البحث؟
هل تقدم لأنه قلل من التدين، أم لأنه بنى مؤسسات قوية وفعالة؟
هل تقدمت مجتمعاته بسبب الإلحاد، أم بسبب الاستثمار في الإنسان والعلم والتكنولوجيا، واحترام القانون والعمل والوقت والتنظيم والمحاسبة؟
الفرق كبير بين السؤالين.
بل إن المفارقة التي تستحق التأمل أننا نجد في المجتمعات الغربية قيمًا عملية كثيرة يحث عليها ديننا، بينما نقصر نحن أحيانًا في تنزيلها: الإتقان، واحترام المواعيد، وحماية المال العام، واحترام العقود، وتحمل المسؤولية.
فهل المشكلة في الإسلام الذي دعا إلى هذه القيم، أم في المسلمين الذين لم يحسنوا تحويلها إلى واقع؟
لا يجوز تعميم تجربة دينية على جميع الأديان
وهنا خطأ منهجي آخر ينبغي التنبيه إليه.
لنفترض أن مجتمعًا ما مر في مرحلة من تاريخه بتجربة كان فيها فهم معين للدين، أو سلطة مؤسسة دينية معينة، عائقًا أمام بعض أشكال التقدم العلمي أو الفكري أو السياسي. ولنفترض أن ذلك المجتمع توصل، من خلال تجربته الخاصة، إلى أن تقليص نفوذ تلك المؤسسة أو مراجعة ذلك الفهم كان جزءًا من طريقه نحو التقدم.
حتى لو سلمنا بهذا كله، فهل يجوز أن نحول تجربة خاصة بدين معين، وفي سياق تاريخي معين، إلى قانون عام نحاكم به جميع الأديان وكل المجتمعات؟
الأديان ليست شيئًا واحدًا، وتعاليمها ليست متطابقة، ونظرتها إلى العلم والعقل والإنسان والدنيا ليست بالضرورة واحدة، كما أن التجارب التاريخية للمجتمعات في علاقتها بالدين تختلف اختلافًا كبيرًا.
ولذلك لا يصح أن نأخذ تجربة أوروبا التاريخية مع المسيحية ومؤسساتها الدينية، ثم نسقط نتائجها بصورة آلية على الإسلام والمسلمين، وكأننا أمام الدين نفسه، والنصوص نفسها، والتاريخ نفسه.
وحتى التجربة الأوروبية نفسها أكثر تعقيدًا من أن تختزل في صراع بسيط بين «الدين» و«العلم».
فإذا أردنا أن نعرف هل الإسلام عائق أمام الحضارة، فلا يكفي أن نخبر المسلمين بما وقع في تجربة دينية أخرى، بل ينبغي أن نعود إلى الإسلام نفسه: إلى نصوصه وقيمه وتاريخه، وإلى طبيعة علاقته بالعلم والعمل والعقل والعمران.
فالحكم على الإسلام ينبغي أن ينطلق من الإسلام، لا من تجربة تاريخية لدين آخر.
قرابة ثلاثة عقود في أوروبا
وصلت إلى أوروبا في أواخر التسعينيات، وعشت سنوات طويلة في هولندا، ثم انتقلت إلى بلجيكا.
وبعد قرابة ثلاثة عقود من الحياة في هذه المجتمعات، لا أتذكر موقفًا اضطررت فيه إلى الاختيار بين أن أكون مسلمًا ملتزمًا بديني، وبين أن أكون إنسانًا نافعًا للمجتمع الذي أعيش فيه.
لم يمنعني الإسلام يومًا من العمل، ولا من التعلم، ولا من الحوار مع الآخرين، ولا من التعاون معهم فيما فيه خير المجتمع.
بل على العكس.
ديني يأمرني بالعدل والصدق والأمانة والوفاء بالعهد، والإحسان إلى الجار، وإتقان العمل، والرحمة بالضعيف، ومساعدة المحتاج، واحترام كرامة الإنسان.
وخلال هذه السنوات تعاملت مع مسلمين وغير مسلمين، وشاركت في لقاءات وحوارات مع أتباع ديانات مختلفة، وعملت في مجالات التعليم والتوجيه والرعاية الروحية، وعشت تفاصيل الحياة اليومية داخل مجتمع متعدد الأديان والثقافات.
ولم أر في شيء من ذلك تناقضًا بين إسلامي وبين مساهمتي في المجتمع.
وهذه بالنسبة إلي لم تعد مجرد فكرة قرأتها في كتاب، وإنما تجربة عشتها على امتداد سنوات طويلة.
المسجد ليس مصنعًا للتخلف
ومن أغرب ما يتكرر أحيانًا تحميل المساجد مسؤولية تخلف المجتمعات الإسلامية، وكأن تقليص عدد المساجد سيزيد تلقائيًا عدد المختبرات والمصانع والجامعات!
المسجد الذي يؤدي رسالته الحقيقية لا يعلم الإنسان الكسل، ولا الغش، ولا الفساد، ولا احتقار العلم.
إنه يعلمه أن الله يراقبه، وأن العمل أمانة، وأن المال العام أمانة، وأن الظلم والغش حرام، وأن الوفاء بالعقود واجب، وأن طلب العلم قيمة، وأن خدمة الناس من الخير.
نعم، يمكننا، بل ينبغي لنا، أن ننتقد تقصير بعض المساجد، وضعف بعض الخطابات الدينية، وسوء أداء بعض المنتسبين إلى العلم والدعوة. فليس كل ما يقال باسم الدين صحيحًا، وليس كل من انتسب إليه ممثلًا جيدًا له، والنقد الصادق ضرورة من ضرورات الإصلاح.
لكن هناك فرقً كبير بين أن نقول إن بعضًا من الخطاب الديني يحتاج إلى مراجعة وإصلاح وتطوير، وبين أن نجعل الدين نفسه والمسجد نفسه سببًا للتخلف.
وكما أن فساد طبيب لا يجعل الطب مشكلة، وفشل مدرسة لا يجعل التعليم سببًا للجهل، فإن تقصير عالم أو إمام أو مؤسسة دينية لا يجعل الدين سببًا لتخلف أمة كاملة.
وهل هذه هي نهاية الحضارة؟
ولا ينبغي أن يُفهم من نقد بعض جوانب الحضارة الغربية إنكار ما حققته من إنجازات عظيمة. فقد قطعت الإنسانية في ظلها أشواطًا هائلة في الطب والعلوم والتكنولوجيا والتعليم والتنظيم والمؤسسات والحقوق، واستفادت البشرية كلها من كثير من هذه المنجزات.
لكن هناك سؤال آخر يستحق أن يُطرح:
من قال إن النموذج الحضاري الذي وصل إليه الغرب اليوم هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه الإنسانية؟
لماذا نتعامل أحيانًا مع الحضارة الغربية في صورتها الراهنة وكأنها النسخة النهائية من الحضارة، وأن مهمة بقية الشعوب ليست إلا اللحاق بها وتقليدها؟
أليس من الممكن أن تبني الإنسانية حضارة أكثر تقدمًا علميًا وتقنيًا، وفي الوقت نفسه أكثر توازنًا أخلاقيًا وروحيًا وإنسانيًا؟
أليس من الممكن أن نحافظ على ما حققه الإنسان من تقدم في الطب والعلوم والتكنولوجيا والمؤسسات والحقوق، ثم نضيف إليه مزيدًا من العناية بالأسرة والمعنى والروح والتكافل، وضبط النزعة الاستهلاكية، وحماية الإنسان من أن يتحول هو نفسه إلى مجرد رقم في آلة الإنتاج والاستهلاك؟
إن الحضارات ليست نهاية التاريخ، وإنما مراحل في مسيرة الإنسان. وكل حضارة تأخذ ممن سبقها وتضيف إليه، وتصيب في جوانب وتخطئ في أخرى، ثم يأتي من بعدها من يستطيع أن يحتفظ بمكاسبها ويتجاوز بعض نقائصها.
ولذلك فإن طموحنا لا ينبغي أن يكون العودة إلى الوراء، ولا رفض منجزات الحضارة الغربية، كما لا ينبغي أن يكون مجرد نسخها كما هي.
يمكن أن نطمح إلى ما هو أفضل: حضارة تجمع بين قوة العلم وقوة القيم، وبين التقدم المادي والارتقاء الإنساني، وبين عمارة الأرض وعدم إفراغ الإنسان من حاجته إلى المعنى والروح.
إن الحضارة في النهاية ليست ملكًا لدين أو عرق أو شعب معين، وإنما هي تراكم إنساني طويل، يأخذ اللاحق فيه عن السابق، وتتعلم أمة من أخرى، ويضيف كل جيل شيئًا إلى ما بناه الذين سبقوه.
فلنبحث عن أسباب التخلف وعن أسباب الحضارة حيث توجد، فهي لا تحابي أحدًا
فمن أخذ بأسباب العلم والعمل والعدل والتنظيم والإتقان حصد من ثمارها، ومن أهملها دفع ثمن ذلك.
لا يكفي أن يكون المجتمع مسلمًا حتى يتقدم، كما لا يلزمه أن يكون ملحدًا حتى يتقدم.
والإسلام لا يقف في وجه هذه السنن، بل يحمل من القيم ما يمكن أن يكون قوة دافعة إليها، إذا أحسن المسلم فهم دينه، وأحسن تحويل قيمه إلى سلوك وعمل ومؤسسات.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس:
كيف نقلل من حضور الدين حتى نتقدم؟
بل:
كيف نحول قيم ديننا إلى علم وعمل وإتقان وعدل ومؤسسات وإنتاج؟
والتحدي الحقيقي ليس في أن نظل نثبت للآخرين -نظريًا- أن الإسلام لا يمنعنا من بناء الحضارة، ولكن كيف نثبت ذلك بالفعل.
