شاهدت قبل أيام مقطعًا من لقاء تلفزيوني مع رجل تبدو عليه علامات الصلاح والوقار، يتحدث من واقع تجربته في غسل الموتى ودفنهم
سأله الصحفي عن بعض الأمور الغريبة التي شاهدها، وعن علامات حسن الخاتمة وسوئها. فذكر رجلًا كان معروفًا بالصلاح والخير، وقال إنه بعد موته كانت تفوح منه رائحة طيبة يشمها من حوله.
ثم ذكر قصة أخرى توقفت عندها طويلًا.
قال إن رجلًا دُفن سنة 2002، ثم فُتح قبره سنة 2026، فوجدوا جثته محترقة. فسأله الصحفي عن حال الرجل في حياته، فذكر أنه سأل أحد أقاربه، فأخبره بأنه كان يتعامل بالربا.
ومن خلال سياق الحوار، وما أبداه الصحفي من تأثر وخشوع، بدا الأمر وكأن النتيجة أصبحت محسومة:
كان الرجل يتعامل بالربا، ولذلك احترق في قبره.
وأنا هنا لا أتهم الرجل بالكذب، ولا أشكك في صلاحه أو نيته. فقد يكون صادقًا تمامًا فيما شاهده وفيما نُقل إليه.
لكن السؤال الذي تبادر إلى ذهني هو:
هل ما شاهده فعلًا يخبرنا بما حدث لذلك الميت في عالم البرزخ؟
وهنا في نظري أصل المشكلة:
هناك فرق بين ما رأيناه، وبين تفسيرنا لما رأيناه.
هل يمكن أن يصبح الغيب مشاهدًا؟
لست في هذا المقال بصدد إثبات عذاب القبر أو نفيه؛ فذلك موضوع آخر له أدلته ونقاشاته.
القاعدة عندي واضحة:
كل ما ثبت من أمور الغيب بدليل صحيح صريح نؤمن به، سواء رأيناه أم لم نره.
قال تعالى:
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾.
وقال سبحانه:
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِنْ رَسُولٍ﴾.
وقد أطلع الله رسله على ما شاء من غيبه.
ولعل من أعظم معاني الإيمان بالغيب أن يصدق الإنسان خبر الله وهو لم يشاهده بعينه. هنا يكون للغيب معنى، ويكون للتصديق والابتلاء معنى.
أما إذا أصبحت حقائق العالم الآخر مشاهد متاحة لنا، نراها ونسمعها ونصورها، فإنها تنتقل بالنسبة إلينا من عالم الغيب إلى عالم الشهادة. وإذا رأى الإنسان الجنة أو النار بعينه، فلن يكون تصديقه بوجودها كتصديقه بها قبل أن يراها.
ومن هنا يأتي سؤالي: هل عالم البرزخ مفتوح أمام حواسنا إلى هذا الحد؟ نسمع أصوات المعذبين، ونرى نار العذاب، ونشاهد على أجساد الموتى آثار ما يقع لهم في ذلك العالم؟
قصة سمعتها وأنا طفل
أذكر قصة كنت أسمعها منذ طفولتي من أناس أثق بهم.
كان حارس مقبرة يسمع صوتًا يأتي من جهة قبر، يشبه صوت الضرب أو الطرق. وتكرر الصوت وانتشرت القصة.
ثم بدأ الناس يبحثون في حياة صاحب القبر، فقيل إنه كان يتعاطى السحر، ونُسجت حوله قصص، وأصبح التفسير جاهزًا تقريبًا:
الرجل يعذب في قبره.
لكن بعد تدخل السلطات وفحص المكان، تبين أن هناك مجاري للمياه تحت المنطقة، وأن حركة المياه هي التي كانت تُحدث ذلك الصوت.
إذن، الناس لم يكذبوا. لقد سمعوا الصوت فعلًا، لكنهم أخطؤوا في تفسيره.
ولهذا أقول:
قد أصدقك فيما رأيت، ولا أصدق تفسيرك لما رأيت.
وهذا بالضبط ما أقوله عن قصة الجثة المحترقة.
قد أصدق أن الرجل وجد الجثة محترقة، وقد يكون صحيحًا أيضًا أن الميت كان يتعامل بالربا.
لكن من أين عرفنا أن الأولى كانت عقوبة على الثانية؟
قد تكون هناك أسباب طبيعية لا نعرفها. ثم من يدري؟ ربما تاب الرجل إلى الله قبل موته، وكانت بينه وبين ربه توبة لا يعلم بها أقرب الناس إليه.
نحن ببساطة لا نعلم.
وليس عيبًا أن نقول فيما لا نعلم: لا نعلم.
القصص المؤثرة تحتاج إلى تثبت أكبر
ولعلني أفهم لماذا تنتشر مثل هذه القصص.
لأنها مؤثرة جدًا.
قل للناس إن قبرًا خرجت منه النار، ستتغير وجوههم. وقل لهم إن شخصًا كان يفعل معصية معينة، ثم فُتح قبره فوُجد على حالة مخيفة، سيخشع كثير منهم.
وقد تكون نية من يروي هذه القصص حسنة. يريد أن يخوف الناس من المعصية، وأن يذكرهم بالموت والآخرة.
لكن حسن الغاية لا يعفينا من التثبت.
بل أرى أن:
كلما كانت القصة أكثر تأثيرًا في الناس، كان واجب التثبت منها أكبر، لا أصغر.
فالقصة المؤثرة تنتشر بسرعة، ثم تضاف إليها التفاصيل، وبعد سنوات قد يتحول ما بدأ باحتمال إلى «حقيقة» يتناقلها الناس دون أن يعرف أحد من أين بدأت.
والدين لا يحتاج إلى ذلك.
لدينا من القرآن والسنة الصحيحة ما يكفي لترقيق القلوب وتذكير الناس بالله والآخرة.
وقد نظلم إنسانًا مات
وهناك جانب آخر أخشاه في مثل هذه القصص: أن نظلم بها الموتى.
يحدث شيء غريب عند قبر شخص، فنبدأ بالبحث في حياته عن معصية تناسب ما حدث: كان يأكل الربا، أو لا يصلي، أو يمارس السحر.
ثم يصبح ما حدث في قبره دليلًا على أن الله عاقبه بسبب تلك المعصية.
لكن من أعطانا الحق في الحكم على ما جرى بين ذلك الإنسان وربه؟
قد يكون الخبر المنقول عنه غير صحيح أصلًا، وقد يكون صحيحًا لكنه تاب قبل موته.
والأمر نفسه في الاتجاه الآخر. إذا وجدنا رائحة طيبة عند ميت، فمن الطبيعي أن نستبشر له بالخير، لكن الاستبشار شيء، والجزم بحاله في عالم البرزخ شيء آخر.
وقد سمعت مثل هذه القصص أيضًا من غير المسلمين، بحكم عيشي وعملي في مجتمع متعدد الأديان. أذكر شخصًا يعمل في كنيسة كان يتحدث عن لحظات الوداع، وكيف تبدو أحيانًا على وجوه بعض الموتى علامات الطمأنينة والابتسام، ويُنظر إليها باعتبارها علامة على حسن حالهم بعد الموت.
وهذا يجعلني أكثر احتياطًا في تفسير مثل هذه المشاهد؛ لأن الإنسان قد يرى شيئًا حقيقيًا، ثم يمنحه تفسيرًا دينيًا انطلاقًا من معتقده وتصوراته.
الغيب لا يحتاج إلى قصصنا
نرى اليوم مقاطع يقال فيها إن نارًا خرجت من قبر، والناس مجتمعون حولها يكبرون ويذكرون الله. وسمعنا قبل ذلك عن أصوات تصدر من القبور، وثعابين تظهر فيها، بل وعن أصوات سُمعت في أعماق الأرض وقيل إنها أصوات من جهنم.
وقد يكون بعض هؤلاء الناس قد رأى أو سمع فعلًا شيئًا غريبًا.
لكن السؤال يبقى:
من قال إن تفسيره هو ما ظنناه؟
ما ثبت من الغيب نؤمن به لأن دليله ثبت، لا لأن كاميرا صورته، ولا لأن شخصًا روى لنا قصة مؤثرة عنه.
أما ما نراه في عالمنا، فنبحث له عن تفسير يمكننا إثباته. وإذا لم نجد، نتوقف.
فعدم معرفتنا بسبب شيء لا يعني أننا عرفنا أنه من عالم الغيب.
وبين أن تقول:
«لا أعرف ماذا حدث»
وأن تقول:
«هذا عذاب من الله بسبب كذا»
فرق كبير.
الأولى اعتراف بحدود معرفتنا.
والثانية كلام عن الله وعن الغيب يحتاج إلى دليل.
ولذلك، عندما نرى أو نسمع شيئًا لا نفهمه، ربما لا نحتاج إلى قصة جديدة عن عالم البرزخ.
ربما نحتاج فقط إلى أن نتعلم من جديد أن نقول:
الله أعلم.