زواج الفاتحة في أوروبا: بين الحلال وضياع الحقوق

خلال السنوات الطويلة التي قضيتها في أوروبا، تعرضت مراراً لطلبات من أشخاص يريدون مني إبرام ما يُعرف بـ«زواج الفاتحة»، أي الزواج العرفي الذي يتم دون توثيقه رسمياً. وفي كثير من الأحيان، كان اعتذاري عن ذلك يثير استغراب البعض، بل وغضبهم أحياناً. ومن العبارات التي سمعتها: «كيف ترفض مساعدتنا على الحلال؟ أتريد أن نقع في الحرام؟ وإذا وقعنا في علاقة محرمة فأنت تتحمل المسؤولية لأنك رفضت تزويجنا!».

ولم يكن هذا الموقف خاصاً بي، فقد كان هذا النوع من الزواج شائعاً نسبياً في أوساط بعض المسلمين في أوروبا، وكان كثير من الأئمة يشاركون في إبرام هذه العقود. لكن مع مرور السنوات وظهور مشكلات اجتماعية وأسرية وقانونية، بدأ كثير من الأئمة يتحفظ على المشاركة في إبرام هذه العقود أو يمتنع عن ذلك. ولهذا أردت أن أكتب هذه السطور، لا لإصدار فتوى في صحة هذا الزواج أو بطلانه، أو حله أو حرمته، وإنما لتوضيح بعض الإشكالات التي وقفت عليها خلال سنوات طويلة، والتي قد لا ينتبه إليها كثير ممن يلجؤون إليه.

تختلف دوافع اللجوء إلى زواج الفاتحة من شخص إلى آخر. فهناك من يريد الاطمئنان إلى صحة زواجه شرعاً، اعتقاداً منه أن الزواج المدني لا يستوفي بالضرورة جميع الشروط الشرعية. وهناك من يواجه صعوبات مرتبطة بالإقامة أو الوثائق الإدارية، أو لم تكتمل بعد إجراءات طلاقه من زواج سابق، أو لا يزال متزوجاً رسمياً ويرغب في زواج آخر. وقد تكون الدوافع مالية، كالمحافظة على بعض المساعدات الاجتماعية أو معاشات الترمل، أو تجنب بعض الآثار الضريبية المترتبة على تغيير الوضع العائلي. وقد يكون أحد الطرفين، أو كلاهما، دون السن القانونية للزواج، فضلاً عن دوافع شخصية وعائلية أخرى. لكن ما يهمني هنا ليس الدوافع بقدر ما يهمني الحديث عن النتائج التي قد تترتب على هذا الزواج.

من الحجج التي يرددها بعض المدافعين عن الزواج غير الموثق أن التوثيق الرسمي لم يكن موجوداً في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم بالشكل المعروف اليوم، وأن الناس كانوا يكتفون بعقد الزواج بحضور الشهود. لكن المقارنة بين ذلك الواقع وواقعنا المعاصر تحتاج إلى مراعاة الفوارق. فالمجتمعات القديمة كانت تقوم بدرجة كبيرة على الروابط العائلية والقبلية والمعرفة المباشرة بالأشخاص وأحوالهم، وكانت الشهادة والمعرفة الاجتماعية تؤديان دوراً مهماً في إثبات العلاقات والحقوق.

أما اليوم، وخاصة في أوروبا، فقد يأتي إلى الإمام رجل من مدينة بعيدة، أو من دولة تبعد آلاف الكيلومترات، ومعه امرأة لا يعرف الإمام عنها شيئاً، ويطلبان منه إبرام عقد زواج. فكيف أتحقق من أهلية الطرفين؟ كيف أعرف أن الرجل ليس متزوجاً من امرأة أخرى يخفي أمرها؟ وكيف أتحقق من أن المرأة غير متزوجة، أو أنها أنهت عدتها إن كانت مطلقة، أو أنه لا توجد موانع شرعية أو قانونية أخرى؟ أنا إمام، ولست قاضياً ولا موظفاً مختصاً بالتحقق من أهلية الأشخاص للزواج، ولا أملك الصلاحيات والوسائل التي تملكها الجهات الرسمية.

وأذكر هنا موقفاً وقع لي، وما زلت أتذكره كلما طُلب مني إبرام زواج من هذا النوع. جاءني ذات يوم رجل برفقة شابة أوروبية ووالدته، وطلب مني أن أعقد لهما الزواج في المسجد الذي كنت أعمل فيه. ولأنني كنت أتحفظ على إجراء مثل هذه العقود، بدأت أستفسر عن الأسباب التي تمنعهما من توثيق الزواج رسمياً. وخلال الحديث، وجهت سؤالاً إلى والدته، وكانت امرأة كبيرة في السن، فقلت لها: ما دام ابنك يريد الزواج بهذه الشابة، فلماذا لا يذهبان إلى الجهات الرسمية؟ فجاء جوابها عفوياً ومفاجئاً: «لأن زوجته لا توافق!».

عندها اكتشفت أن الرجل متزوج أصلاً، وأن زوجته لا تزال تعيش معه في البيت، وأنه جاء يطلب مني إبرام زواج ثانٍ دون توثيق رسمي! تخيلوا لو أنني وافقت على طلبه دون أن أعرف هذه الحقيقة! فقد أجد نفسي طرفاً في مشكلة أسرية أو قانونية لم أكن أعلم عنها شيئاً. فهذه ليست مجرد مخاوف نظرية؛ إذ توجد في بعض الدول الأوروبية، ومنها بلجيكا وهولندا، قوانين تنظم أسبقية الزواج المدني على المراسم الدينية، وقد تترتب على مخالفتها مسؤولية قانونية لرجل الدين الذي باشر الزواج الديني قبل توثيق العلاقة لدى الجهات الرسمية. ومنهم من صدرت في حقه عقوبات بالفعل.

ومن المفارقات أن بعض الناس يصرون على حضور الإمام، ثم يتهمونه بمنع الحلال إذا اعتذر، مع أن حضور الإمام ليس شرطاً لصحة عقد الزواج في الفقه الإسلامي، كما أن قراءة الفاتحة لا تجعل العقد صحيحاً إذا اختلت شروطه.

ومن أكبر الأخطاء في نظري اختزال الزواج في مسألة واحدة، وهي جعل العلاقة بين الرجل والمرأة حلالاً. فالزواج في الإسلام ليس مجرد وسيلة لإباحة الخلوة والمعاشرة الزوجية، بل هو عقد تترتب عليه حقوق وواجبات ومسؤوليات، منها المهر والنفقة والنسب والميراث وحقوق الأبناء. فإذا أبرمنا عقداً لا تعترف به الجهات الرسمية، كيف نحمي هذه الحقوق إذا وقع نزاع؟ وماذا لو أنكر الرجل زواجه، أو توفي الشهود، أو تعذر الوصول إليهم عند الحاجة؟

لقد عُرضت عليّ حالات واقعية تكشف خطورة هذا الأمر، ومنها حالة رجل تزوج بعقد ديني غير موثق، وأنجب من زوجته طفلاً. وعندما عاد إلى بلده الأصلي وأراد تسجيل الطفل باسمه، اصطدم بمطالبة السلطات بإثبات الزواج بعقد رسمي، فعاد إلى الدولة الأوروبية التي تم فيها العقد العرفي وحين حاول البحث عن الشهود الذين حضروا العقد لم يجدهم. وهكذا وجد نفسه يبحث عن وسيلة لإثبات زواج كان يعتقد أن حضور الشهود فيه يكفي لتجنب أي مشكلة مستقبلاً. صحيح أن بعض القوانين تتيح إثبات الأبوة أو المطالبة ببعض الحقوق حتى في غياب الزواج المدني، لكن ذلك لا يعني أن الإجراءات ستكون سهلة أو أن جميع الحقوق ستكون محمية.

وقد لا تنتهي مشكلات هذا الزواج بانتهاء العلاقة بين الطرفين. فقد تتزوج امرأة بهذه الطريقة، ثم تنفصل عن زوجها وتريد الزواج مرة أخرى. فإذا علم الخاطب الجديد، بطريقة أو بأخرى، أنها كانت على علاقة سابقة برجل آخر، ولم تكن لديها وثيقة تثبت أنها كانت متزوجة منه، فقد تجد نفسها مضطرة إلى الدفاع عن سمعتها وإثبات أن تلك العلاقة كانت زواجاً شرعياً، لا علاقة محرمة. وقد تزداد المشكلة إذا أنكر الزوج السابق الزواج أو تعذر الوصول إلى الشهود. وهكذا قد تجد المرأة نفسها متهمة في عرضها، رغم أنها كانت تعتقد أنها تعيش في علاقة زوجية شرعية.

ومن أخطر الإشكالات أيضاً ما يحدث عندما تريد المرأة إنهاء الزواج ويرفض الزوج تطليقها. فقد يكون إبرام العقد سهلاً، لكن ماذا لو استحالت الحياة الزوجية ورفض الزوج الطلاق؟ في الفقه الإسلامي توجد وسائل لإنهاء العلاقة الزوجية، منها الطلاق والخلع والتفريق القضائي. لكن ماذا يحدث في أوروبا عندما لا يكون الزواج معترفاً به أصلاً لدى السلطات المدنية؟ قد لا تستطيع المرأة أن تطلب من المحكمة المدنية تطليقها من زواج لا تعتبره زواجاً قانونياً، وفي المقابل قد يرفض الزوج منحها الطلاق الديني، ويتركها معلقة.

وقد تعود المرأة إلى الإمام الذي حضر العقد، لكنه لا يملك سلطة القاضي ولا وسائل إلزام الزوج، فتجد نفسها أمام مشكلة يصعب حلها. صحيح أن بعض المجالس والهيئات الإسلامية في أوروبا تحاول معالجة هذه النزاعات، لكن هذه الهيئات لا تملك في الغالب سلطة القضاء الرسمي ولا وسائل تنفيذ أحكامه. لقد سمعت عن حالات كثيرة لنساء وجدن أنفسهن في مثل هذه الأوضاع
وبقين معلقات لسنوات. وهنا أتساءل: لماذا نهتم بكيفية إبرام الزواج، ولا نفكر بالقدر نفسه في الجهة التي ستحمي المرأة إذا تعرضت للظلم، أو تنصفها إذا استحالت العشرة؟ يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231].

ومن الأمور الغريبة التي لاحظتها أن بعض الأسر تتعامل مع زواج الفاتحة بطريقة يصعب فهمها. فهو زواج عندما يتعلق الأمر بالخروج معاً والخلوة، لكنه يصبح أشبه بالخطوبة عندما يتعلق الأمر ببقية الحقوق والواجبات. فبعض الأسر تقيم ما تسميه «الفاتحة» قبل الزواج الرسمي. يحضر الشهود، ويُسمى الصداق، ويجري الإيجاب والقبول، وتُستوفى بحسب اعتقادهم شروط الزواج الشرعي. لكنهم في الوقت نفسه يؤجلون الدخول والمعاشرة الزوجية إلى ما بعد التوثيق الرسمي أو حفل الزفاف، ويستمرون في التعامل مع الطرفين كما لو أنهما في مرحلة الخطوبة.

ولا إشكال في أصل الاتفاق على تأجيل الدخول بعد عقد الزواج، لكن المشكلة تكمن في الغموض الذي يحيط بطبيعة العلاقة نفسها. وتظهر المشكلة عند الانفصال، إذ يبدأ الخلاف حول طبيعة العلاقة: هل كان زواجاً يستوجب الطلاق وتترتب عليه أحكام الصداق، أم مجرد خطوبة انتهت؟ وقد يبدأ بعض الأطراف في تفسير طبيعة العقد بحسب مصلحته. فقد يتمسك أهل المرأة بأنه كان زواجاً شرعياً صحيحاً، بينما يقول الرجل إن ما وقع لم يكن سوى مرحلة تمهيدية للزواج الرسمي. وقد يحدث العكس أيضاً.

لكن أحكام الزواج لا تتغير بتغير مصالح الناس. فإذا كان العقد صحيحاً، ترتبت عليه أحكام الزواج، مع مراعاة التفصيل الشرعي بين الطلاق قبل الدخول وبعده، وأثر الخلوة الصحيحة بحسب الخلاف الفقهي. وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237]. وهنا أقول: لا يمكن أن يكون العقد زواجاً عندما نريد الاستفادة مما يبيحه الزواج، ثم يصبح خطوبة عندما نريد التخلص من مسؤولياته.

ومن الأخطاء أيضاً الاعتقاد بأن التوثيق الرسمي أمر أجنبي عن روح الشريعة الإسلامية، لمجرد أن صورته الحديثة لم تكن موجودة في العصور الأولى. فالشريعة جاءت لحفظ الحقوق ومنع الظلم وصيانة الأنساب، وقد تتغير الوسائل التي تحقق هذه المقاصد من زمان إلى آخر. وإذا كان التوثيق الرسمي اليوم وسيلة لإثبات الزواج وحماية الحقوق، فإن الاستفادة منه تنسجم مع هذه المقاصد. فعدم اشتراط التوثيق الرسمي لصحة العقد في الفقه لا يعني أن الاستغناء عنه في كل الظروف تصرف حكيم، أو أن ما قد يترتب على ذلك من أضرار ومخالفات قانونية أمر يمكن تجاهله.

هذه بعض الإشكالات التي وقفت عليها خلال سنوات من عملي، وأردت أن أضعها أمام من يفكر في زواج الفاتحة، وأمام من يستغرب تحفظ بعض الأئمة على المشاركة فيه. فالزواج ليس مجرد عقد نبيح به العلاقة بين الرجل والمرأة، وإنما هو حقوق ومسؤوليات قد تستمر حتى بعد انتهاء العلاقة نفسها.

فليس كل من اعتذر عن إبرام زواج قد أغلق باب الحلال، وليس كل من وافق على إبرامه قد أحسن بالضرورة إلى أصحابه.

والله أعلم.

0 0 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
0 0 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Scroll to Top
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x