كأنك تراه… رحلة في بناء اليقين

الحلقة السابعة: لماذا خلقنا الله لعبادته وهو غني عنا؟

توقفنا في المقال السابق عند حقيقة عظيمة من حقائق الإيمان، وهي أن الله سبحانه غني عن خلقه جميعًا، لا تزيد طاعتهم في ملكه شيئًا، ولا تنقص معصيتهم منه شيئًا، كما جاء في الحديث القدسي: «يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضُرِّي فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني».

لكن هذه الحقيقة تفتح أمامنا سؤالًا آخر: إذا كان الله غنيًا عن عبادتنا، فلماذا خلقنا لنعبده؟ ولماذا يأمرنا بالطاعة وينهانا عن المعصية، ثم يعد المطيع بالثواب ويتوعد العاصي بالعقاب؟ بل قد يتساءل بعض الناس: لماذا أُحاسَب على حق فرضه الله عليَّ دون أن يستشيرني، أو يترك لي اختيار قبوله من عدمه؟

هذه الأسئلة تقودنا إلى أصل مهم في فهم علاقتنا بالله سبحانه: الفرق بين أن يكون لله حق علينا، وأن يكون محتاجًا إلى أدائنا لذلك الحق. لكنها تدعونا أولًا إلى فهم معنى العبادة التي خلقنا الله من أجلها.

حين نسمع كلمة العبادة، تتبادر إلى أذهاننا الصلاة والصيام والزكاة والحج، وهي من أعظم مظاهرها، لكن مفهوم العبادة في الإسلام أوسع من ذلك بكثير. فالعبادة في أصلها خضوع الإنسان لله ومحبته وتعظيمه، واعترافه بربوبيته وألوهيته، وإقراره بأن الله وحده المستحق لأن يُعبد ويُطاع، وأن له حق الأمر والنهي والتشريع. ومن هذا الاعتراف تنطلق أعمال القلب والجوارح، وتأتي الصلاة والصيام وسائر الطاعات تعبيرًا عمليًا عنه.

ولهذا يقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]. فالعبادة ليست ساعات يقضيها الإنسان في المسجد، ثم يعيش بقية حياته بعيدًا عن هداية الله، وإنما هي علاقة تمتد إلى سلوكه وأخلاقه ومعاملاته، وإلى نظرته لنفسه وللناس وللحياة.

ولكن لماذا يكون لله علينا هذا الحق ما دام لا يحتاج إلى عبادتنا؟

لأنه خالقنا وربنا، ولأن استحقاق العبادة قائم على ألوهيته وربوبيته وكماله، لا على حاجته إلى شيء منا. ولهذا خاطب الله الناس بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21].

وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: «يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟» قال: الله ورسوله أعلم. قال: «أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا».

تأمل هذا التعبير النبوي: حق الله على العباد.

فالحق لا يستلزم الحاجة. قد يكون لك حق على إنسان، وأنت في غنى تام عما عنده، ومع ذلك يبقى حقك ثابتًا. فكيف بالله سبحانه الذي خلق الإنسان من العدم، وأمده بالحياة، وأنعم عليه بما لا يستطيع إحصاءه؟

وهنا نصل إلى سؤال أعمق، خصوصًا مع من يعترض قائلًا: لماذا أُعاقَب على أمر لم أختره ابتداءً؟ ولماذا أكون ملزمًا بحق لم أوافق على تحمله؟

قبل مناقشة العقوبة، ينبغي أن نسأل: هل نعترف أصلًا بأن لله، بوصفه الخالق والرب، الحق في أن يأمر عباده وينهاهم، وأن يحدد ما يجب عليهم نحوه؟

إن أقررنا بهذا الحق، فقد أقررنا بأن مشروعية أمر الله لا تتوقف على موافقة الإنسان عليه. وحينئذ يمكن أن ننتقل إلى مناقشة الحكمة من التكليف، وعدالة الجزاء، ومسؤولية الإنسان عما يختاره بعد أن تتبين له الحجة.

أما إذا قلنا إن الله لا يحق له أن يحدد ما يجب على عباده إلا بعد أن يستشيرهم ويحصل على موافقتهم، فنحن لا نناقش مجرد حكم من أحكام الدين، بل نجعل قبول الإنسان شرطًا لثبوت حق الخالق في الأمر والنهي. وهذا، من داخل التصور الإيماني، اعتراض يمس أصل الربوبية والألوهية؛ لأننا نكون قد أقررنا بأن الله خالقنا، ثم نازعناه في حقه في أن يكون ربنا الذي يأمر وينهى.

ومن المهم هنا أن نفرق بين من يسأل عن حكمة التكليف وعدالة الجزاء، ومن ينكر أصل حق الله في التكليف. فالسؤال طلبًا للفهم ليس كالاعتراض على حق الخالق نفسه، كما أن التقصير في أداء الحق ليس كإنكاره.

ولنقرب هذا المعنى بمثال من حياتنا: رجل اقترض مالًا من شخص آخر، ثم مرت عليه ظروف عجز معها عن سداد دينه. قد يطالبه صاحب المال بحقه، وقد يمهله، وقد يعفو عنه ويتنازل عن الدين. لكن المدين، ما دام يعترف بأنه اقترض المال وأن لصاحبه حقًا عليه، فإنه يقر بالحقيقة، وإن عجز عن الوفاء بما عليه.

أما أن يقول لصاحب المال: ليس لك عندي شيء، ولا أعترف أصلًا بأن لك عليَّ حقًا، فهذه قضية أخرى تمامًا.

وهكذا المؤمن الذي يعترف بحق الله عليه في العبادة، ويعلم أنه مقصر، ويرجو مغفرته ويجاهد نفسه ليعود إليه، ليس كمن ينكر أصل هذا الحق، ويرفض أن يكون لله عليه أمر أو نهي.

ولعل هذا من المعاني التي نتأملها في قصة آدم وإبليس. فقد وقع آدم عليه السلام في المخالفة، لكنه رجع إلى ربه معترفًا بذنبه، قائلًا مع زوجه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23]. أما إبليس فقد واجه الأمر الإلهي بالاستكبار والاعتراض: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: 12].

فشتان بين من تغلبه نفسه ثم يعود إلى الله، وبين من يجعل من نفسه مرجعًا يحاكم إليه أمر الله.

ومن المعاني العظيمة التي ينبغي أن نتأملها في هذا السياق أن الله سبحانه خلق الملائكة يعبدونه ويسبحونه، كما وصفهم بقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]. أما الإنسان فقد خلقه الله بطبيعة مختلفة، وجعل فيه شهوات ورغبات، ومنحه القدرة على الاختيار، وابتلاه بأوامر ونواهٍ، يستطيع أن يطيعها أو يعصيها.

ومن هنا يظهر معنى عظيم من معاني العبودية؛ فالإنسان قد يشتهي المعصية، وتتهيأ له أسبابها، ويكون قادرًا على ارتكابها، ثم يتركها لأنه يعلم أن الله نهاه عنها. وقد تثقل عليه الطاعة، ويدعوه جسده إلى الراحة، ثم يغالب نفسه ويقوم للصلاة. وقد يشتد به الجوع والعطش في نهار رمضان، ويستطيع أن يأكل ويشرب بعيدًا عن أعين الناس، لكنه يمتنع عن ذلك امتثالًا لأمر الله وابتغاء مرضاته.

فما أعظم أن يختار الإنسان طاعة ربه وهو قادر على مخالفته، وأن يقدم محبة الله على ما تشتهيه نفسه! وهنا تتجلى قيمة المجاهدة والاختيار في العبادة. يقول سبحانه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3]، ويقول: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].

وهكذا نفهم أن العبادة ليست مجرد حركات يؤديها الإنسان، وإنما هي أيضًا اختيار يتجدد، ومجاهدة للنفس، وتقديم لمرضاة الله على رغباتها. وكلما صدق الإنسان في هذه المجاهدة، ارتقى في مراتب الإيمان والقرب من الله.

لكننا بعد أن نفهم حق الله في العبادة، يبقى سؤال الحكمة: ما الذي يعود علينا من عبادته وطاعته، وهو الغني عنا؟

إن الله سبحانه لم يخلق الإنسان ثم يتركه يتخبط في الحياة دون هداية، وإنما شرع له ما يصلح به قلبه وحياته وعلاقته بالناس. ومن أدرى بما يصلح المخلوق من خالقه؟ يقول تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14].

ولنقرب المعنى بمثال من حياتنا اليومية: عندما يصنع الإنسان آلة أو جهازًا، فإنه غالبًا ما يرفقه بكتيب يبين كيفية استعماله والمحافظة عليه وصيانته، وما ينبغي تجنبه حتى لا يتعرض للتلف. ويرجع الناس إلى هذا الكتيب لأنهم يدركون أن من صنع الجهاز أعرف بطبيعته، وأعلم بكيفية تشغيله والمحافظة عليه.

فإذا كان هذا شأن الإنسان مع ما يصنعه، فكيف بالله سبحانه الذي خلق الإنسان، وخلق هذا الكون بما فيه، وهو أعلم بطبيعة خلقه وما يصلحهم وما يفسد حياتهم؟ أليس هو الأعلم بالطريق الذي ينبغي أن يسلكوه، وبالحدود التي ينبغي أن يقفوا عندها؟

ثم إن الأمر أعمق من مجرد العلم بما ينفع الإنسان ويضره؛ فالله سبحانه هو الذي خلق الإنسان ووهبه ما يملك من عقل وحواس وقدرات وأموال، وهو المالك الحقيقي لهذه النعم، وله أن يحدد للإنسان كيف يستعملها. فالذي وهبك البصر من حقه أن يحدد لك ما يجوز أن تنظر إليه وما لا يجوز، والذي وهبك السمع من حقه أن يحدد لك ما ينبغي أن تصغي إليه وما ينبغي أن تعرض عنه، والذي رزقك المال من حقه أن يأمرك أين تنفقه، وفيما يجوز لك أن تستعمله.

فنحن نتصرف فيما وهبنا الله إياه، وسنُسأل عن كيفية استعماله. ومن هنا نفهم أن أوامر الله ونواهيه ليست تدخلًا في ملك يخرج عن سلطانه، وإنما هي توجيه من الخالق لما خلق، ومن المالك فيما ملك، وهو سبحانه أعلم بما يصلح عباده وأرحم بهم من أنفسهم.

وحين يبتعد الإنسان عن هداية خالقه، ويسيء استعمال ما وهبه الله من عقل وقوة ومال وقدرات، فإن آثار ذلك لا تقف عنده وحده، بل تمتد إلى غيره، وقد تتحول إلى فساد يصيب المجتمع والحياة من حوله. يقول تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: 41].

وهكذا نعود إلى أصل المسألة: الإيمان بأن الله هو الخالق والواهب والمالك، وأنه العليم الحكيم. فمن استقر هذا الإيمان في قلبه، أدرك أن لله حق الأمر والنهي، وأن هدايته قائمة على علم وحكمة ورحمة، وإن خفيت عليه الحكمة من بعض أحكامه. وقد يسأل المؤمن ليفهم، وقد يجد مشقة في الامتثال، لكنه لا يجعل فهمه المحدود أو رغبته الشخصية شرطًا للاعتراف بحق خالقه عليه.

ثم إن العبادة تمنح الإنسان شيئًا لا يستطيع المال ولا المنصب ولا الشهرة أن يمنحه بالضرورة: أن يعرف لماذا يعيش، وإلى أين يسير، ولمن يتوجه بقلبه، وعلى من يتوكل حين تضيق به الأسباب.

فكم من إنسان يملك أسباب الرفاهية كلها، ومع ذلك لا يجد الطمأنينة! وكم من إنسان لا يملك إلا القليل، لكنه يعيش من السكينة والرضا ما لا يشتريه مال!

وفي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا».

تأمل قوله: «ذاق طعم الإيمان». فالإيمان ليس مجرد أوامر يؤديها الإنسان على مضض، وإنما له حلاوة يجدها القلب حين يعرف ربه ويطمئن إليه.

ومن ثمار عبادة الله كذلك أنها تحرر الإنسان من عبوديات كثيرة. فالإنسان الذي لا يجعل الله غايته قد يصبح أسيرًا لماله، أو لشهواته، أو لمكانته بين الناس، أو لخوفه من آرائهم وأحكامهم. أما العبودية لله فهي التي تضع هذه الأشياء في مواضعها، فلا يصبح المال إلهًا، ولا تتحول الشهوة إلى سيد، ولا تكون نظرة الناس هي المعيار الأعلى الذي يحكم حياة الإنسان.

ولهذا فإن عبادة الله ليست مجرد تكاليف نؤديها انتظارًا لثواب الآخرة، بل هي أيضًا طريق إلى حياة أهدى وأصفى وأكثر معنى. يقول تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ۝ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 123-124].

ثم إن فضل الله لا يقف عند أن يهدينا لما يصلح حياتنا، بل يعدنا على طاعته بثواب أعظم في الآخرة. يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى ۝ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه: 75-76].

وتأمل عظمة هذا الفضل: الله هو الذي خلقك، وهو الذي رزقك، وهو الذي هداك إلى ما يصلحك، وأعانك على طاعته، ثم وعدك على هذه الطاعة بجنة عرضها السماوات والأرض.

فأي كرم أعظم من هذا الكرم؟

وهكذا نعود إلى السؤال الذي بدأنا به: لماذا خلقنا الله لعبادته وهو غني عنا؟

لأن العبادة حقه علينا بوصفه خالقنا وربنا وإلهنا، ولأننا نحن المحتاجون إلى هدايته ورحمته وفضله، في الدنيا والآخرة. فالله لا يزداد كمالًا بعبادتنا، ولا ينقص من كماله شيء بإعراضنا عنه، وإنما نحن الذين نرتقي بطاعته أو نخسر بالإعراض عنه.

ولعل الآية التي تجمع هذه المعاني كلها هي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15].

نحن الفقراء إليه في وجودنا، والفقراء إليه في استمرار حياتنا، والفقراء إليه في هدايتنا وسعادتنا ومصيرنا.

فليست القضية أن الله يحتاج إلى عبادتنا، وإنما أن له الحق في أن نعبده، وأننا نحن الذين نحتاج إلى هذه العبادة.

نسأل الله أن يجعلنا ممن عرفوه حق المعرفة، وأقروا بحقه عليهم، وذاقوا حلاوة عبادته، واستقاموا على هدايته حتى يلقوه وهو عنهم راضٍ.

0 0 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
0 0 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Scroll to Top
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x