كأنك تراه… رحلة في بناء اليقين

الحلقة السادسة: الله غني عني وعنك

في المقال السابق وقفنا مع قول الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15].

وتأملنا حقيقة فقر الإنسان إلى الله، وأنه مهما بلغ من العلم والقوة والمال، فإنه لا يستطيع الاستغناء عن ربه لحظة واحدة.

واليوم نقف مع الشطر الثاني من الآية: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.

فماذا يعني أن الله غني؟ وهل يحتاج إلى عبادتنا وطاعتنا؟ وإذا كان غنيًا عنا، فلماذا يأمرنا بالصلاة والصيام وسائر العبادات؟

الله ليس غنيًا بما يملك

حين نقول عن إنسان إنه غني، فإننا نعني عادة أنه يملك مالًا كثيرًا أو ممتلكات واسعة. لكن غناه متعلق بما يملكه؛ فإذا فقد ماله فقد غناه، وإذا ذهبت ممتلكاته عاد فقيرًا.

أما الله سبحانه وتعالى، فغناه ليس مستمدًا مما يملك.

ليس غنيًا لأنه يملك السماوات والأرض، ولا لأنه خلق الملائكة والإنس والجن، ولا لأن الكون كله تحت سلطانه.

بل هو غني بذاته، كان غنيًا قبل أن يخلق السماوات والأرض، وقبل أن يوجد أي مخلوق.

فالله ليس غنيًا بالكون، وإنما الكون كله فقير إليه.

وهذا فرق جوهري بين غنى الخالق وغنى المخلوق: الإنسان غني بما يملك، والله غني بذاته.

يا عبادي… أنتم المحتاجون إليّ

من أعظم النصوص التي تبين هذه الحقيقة الحديث القدسي الذي رواه الإمام مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه، وفيه أن الله تعالى يقول:

«يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم.

يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم.

يا عبادي، كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أَكْسُكُمْ.

يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم».

تأمل هذا النداء المتكرر: «يا عبادي».

الله غني عن عباده جميعًا، ومع ذلك يناديهم، ويرشدهم، ويدعوهم إلى طلب الهداية والرزق والكسوة والمغفرة.

إننا لا نحتاج إلى الله في الطعام والشراب والصحة فحسب، بل نحتاج إليه أيضًا في هداية قلوبنا.

قد يكون الإنسان ذكيًا، واسع الاطلاع، صاحب شهادات ومكانة، ومع ذلك يضل الطريق. فالهداية ليست مجرد معلومات يحصل عليها العقل، وإنما هي نور يوفق الله به القلب لمعرفة الحق واتباعه.

ولذلك يقول الله: «فاستهدوني أهدكم».

وكذلك الطعام الذي نأكله، وإن اشتريناه بأموالنا، فإن الله هو الذي خلق الأرض التي أنبتته، والماء الذي سقاه، والأسباب التي أوصلته إلينا.

فكم من نعمة اعتدنا وجودها حتى نسينا مصدرها!

من كسوة الجسد إلى ستر العيوب

ومن أجمل الوقفات في هذا الحديث قوله تعالى:

«يا عبادي، كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أَكْسُكُمْ».

إن من أعظم مقاصد اللباس ستر الجسد والعورة، وقد قال الله تعالى:

﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26].

ولكننا إذا تأملنا حياتنا وجدنا أننا لا نحتاج إلى الله ليستر أجسادنا فقط، بل نحتاج إليه أيضًا ليستر عيوبنا وذنوبنا وتقصيرنا.

كم من ذنب ارتكبناه ولم يطلع عليه أحد!

وكم من خطأ لو عرفه الناس لتغيرت نظرتهم إلينا!

وكم من إنسان يعيش محترمًا بين الناس، لا لأنه خالٍ من العيوب، وإنما لأن الله ستر عليه ما لا يعلمه الناس!

وهنا يحضرني معنى جميل يُتداول على ألسنة الوعاظ: الحمد لله الذي لم يجعل للذنوب رائحة، وإلا لما استطاع أحدنا أن يجالس أحدًا.

تأمل هذه النعمة العظيمة.

لو كانت لذنوبنا روائح تفوح منا، ولو ظهرت للناس كل عيوبنا وأخطاؤنا، فكم منا سيستطيع أن يجلس مطمئنًا بين الآخرين؟

ولكن الله يستر، ويمهل، ويفتح أبواب العودة إليه.

غير أن ستر الله للذنب لا يعني بالضرورة مغفرته. فقد يستر الله على الإنسان معصيته، ويبقى محتاجًا إلى التوبة والاستغفار.

ولذلك جاء بعد ذكر الكسوة في الحديث:

«يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم».

وكأننا ننتقل من نعمة ستر العيوب إلى نعمة مغفرة الذنوب.

فلا ينبغي أن نغتر بستر الله علينا، ولا أن نجعل هذا الستر سببًا للتمادي في المعصية، بل علينا أن نجعله بابًا للحياء من الله والتوبة إليه.

غني عن خلقه جميعًا

وبعد أن يذكرنا الله بحاجتنا إليه في الهداية والطعام والكسوة والمغفرة، ينتقل الحديث إلى بيان الحقيقة المقابلة:

«يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضُرِّي فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني».

يا لها من حقيقة عظيمة!

نحن نحتاج إلى الله في كل شيء، أما هو فلا يحتاج إلينا في شيء.

لا تستطيع معاصينا أن تضره، ولا تستطيع طاعاتنا أن تنفعه.

وهذا ما يبينه الحديث نفسه:

«يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا.

يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا».

تخيل لو أن البشر جميعًا، منذ آدم عليه السلام إلى آخر إنسان يعيش على الأرض، ومعهم الجن جميعًا، أصبحوا في أعلى درجات التقوى والطاعة.

هل سيصبح الله بذلك أغنى مما كان؟

الجواب: لا.

وتخيل العكس، لو أصبحوا جميعًا في أعلى درجات الفجور والمعصية.

هل سينقص ذلك شيئًا من ملك الله؟

الجواب أيضًا: لا.

فالله غني عن طاعتنا، وغني عن عبادتنا، وغني عن وجودنا أصلًا.

من المستفيد من عبادتنا؟

إذا كان الله لا يحتاج إلى عبادتنا، فلماذا نصلي ونصوم ونتصدق ونطيعه؟

الجواب أن الله لم يأمرنا بالعبادة ليسد بها حاجة عنده، وإنما نحن المحتاجون إلى ما تحققه العبادة من خير لنا.

فحين تصلي، لا تزيد في ملك الله شيئًا، وإنما أنت الذي تحتاج إلى الصلاة.

وحين تصوم، لا ينتفع الله بجوعك وعطشك، وإنما أنت الذي تنتفع بما يربيه الصيام في نفسك من تقوى وصبر وانضباط.

وحين تتصدق، لا تزيد في خزائن الله شيئًا، وإنما أنت الذي تزكي نفسك وتقدم الخير لغيرك.

قال تعالى:

﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7].

وقال سبحانه:

﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: 12].

لكن ينبغي أن ننتبه إلى أمر مهم: غنى الله عن عبادتنا لا يعني أنه لا يحب طاعتنا أو لا يرضى بها.

فقد قال سبحانه:

﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: 7].

فالله لا يحتاج إلى إيماننا، ولكنه يحب منا الإيمان. ولا تضره معاصينا، ولكنه لا يرضى لعباده الكفر والمعصية.

الغني الذي لا تنفد خزائنه

ثم يفتح الحديث أمامنا بابًا آخر من أبواب معرفة الله، فيقول سبحانه:

«يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر».

تأمل هذا المشهد.

البشر جميعًا، من أولهم إلى آخرهم، والجن جميعًا، يقفون في مكان واحد، وكل واحد يسأل الله ما يريد.

هذا يسأله الصحة، وذاك يسأله الرزق، وآخر يسأله الولد، وآخر يسأله المغفرة، وآخر يسأله النجاة من مصيبة.

ثم يعطي الله كل واحد منهم ما سأل.

فكم سينقص ذلك من خزائنه؟

يضرب الحديث مثالًا بإبرة تُغمس في البحر، ثم تُخرج منه.

فماذا أخذت الإبرة من البحر؟

لا شيء يُذكر.

ولله المثل الأعلى، فإن عطاءه لا تنفد به خزائنه.

قال تعالى:

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: 21].

إن الغني من البشر قد يخشى أن يفقد ماله إذا أكثر من العطاء، أما الله فلا ينقص عطاؤه من غناه شيئًا.

وهذا لا يعني أن الله يعطي كل إنسان كل ما يطلبه في الدنيا، وفي الوقت الذي يحدده؛ فعطاؤه يجري بعلمه وحكمته، لا بحسب رغباتنا وحدها.

حين يشترط الفقير على الغني

ومع وضوح هذه الحقيقة، فإن بعض الناس يتعاملون مع الله بطريقة عجيبة.

فالإنسان هو الفقير المحتاج، والله هو الغني الذي لا يحتاج إليه، ومع ذلك نجد من يشترط على الله شروطًا حتى يؤمن به!

يخبرنا القرآن عن قوم قالوا:

﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: 55].

فجعلوا إيمانهم مشروطًا برؤية الله عيانًا.

ويخبرنا عن آخرين اعترضوا على اختيار الله لرسوله، فقالوا:

﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31].

وكأنهم يريدون أن يحددوا هم من يستحق أن يختاره الله لحمل رسالته!

فجاء الجواب الإلهي:

﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 32].

وهذا المنطق لم ينته بانتهاء تلك الأقوام.

فقد نجد اليوم من يقول، صراحة أو ضمنًا: لن أؤمن بالله حتى أفهم كل شيء، وحتى تجري الحياة كما أتصورها، وحتى تكون أحكام الله وأقداره موافقة لما أراه أنا صحيحًا.

لكن ينبغي هنا أن نفرق بين أمرين مختلفين تمامًا.

هناك إنسان لديه أسئلة حقيقية، أو يعاني من الشك، أو يتألم بسبب مصيبة أصابته، فيبحث عن الحقيقة ويحاول أن يفهم حكمة الله.

هذا لا ينبغي أن نلومه لمجرد أنه يسأل، بل ينبغي أن نعينه على البحث والفهم، وأن نتعامل مع أسئلته بجدية ورحمة.

وقد يكون لسان حاله: يا رب، علمني ما أجهل، واهد قلبي إلى الحق، وأعني على فهم ما أشكل عليّ.

وهناك إنسان آخر لا يريد البحث عن الحقيقة بقدر ما يريد إخضاعها لرغباته، فيجعل إيمانه مشروطًا بأن تجري الأمور كما يريد هو.

والفرق بينهما كبير.

الأول يقول: أريد أن أفهم حتى أطمئن إلى الحق. والثاني يقول: لن أقبل الحق حتى يوافق ما أريد.

ولا يعني هذا أن الإنسان مطالب بإلغاء عقله أو الامتناع عن السؤال، وإنما يعني أن عليه أن يدرك حدود علمه، وألا يجعل فهمه المحدود مقياسًا لكل حكمة إلهية.

قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].

أعمالنا تعود إلينا

ويختم الحديث القدسي بهذه الكلمات العظيمة:

«يا عبادي، إنما هي أعمالكم أُحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه».

فالله لا ينتفع بطاعتنا، ولا تضره معاصينا، ولكن أعمالنا لا تضيع.

كل ما نفعله محسوب علينا أو لنا، وسنلقى جزاءه عند الله.

فلا ينبغي أن نغتر بطاعتنا، وكأننا قدمنا إلى الله شيئًا يحتاج إليه. ولا أن نستهين بمعاصينا، بحجة أنها لا تضره.

فنحن الذين ننتفع بالطاعة، ونحن الذين نتحمل عواقب المعصية.

اعرف قدرك… واعرف ربك

حين يعرف الإنسان حقيقة فقره إلى الله، وحقيقة غنى الله عنه، تتغير نظرته إلى نفسه وإلى عبادته وإلى الحياة كلها.

فلا يغتر بعلمه، ولا يتكبر بماله، ولا يتعالى بطاعته، ولا ييأس من رحمة ربه.

والأعجب من ذلك كله أن الله، مع غناه المطلق عن خلقه، لم يتركهم لأنفسهم.

بل هيأ لهم أسباب الرزق، ودعاهم إلى الهداية، وستر عليهم عيوبهم، وفتح لهم أبواب المغفرة، ووعدهم بالجزاء الحسن إن أحسنوا.

فغناه سبحانه لا يعني أنه بعيد عن عباده أو غير رحيم بهم.

بل هو الغني الذي يعطي، والكريم الذي يجود، والرحيم الذي يغفر، والذي يستر على عباده ويدعوهم إلى التوبة.

وكلما ازداد الإنسان معرفة بغنى الله، ازداد شعورًا بفقره إليه، وازداد تواضعًا بين يديه.

وهنا يعود السؤال الذي قد يخطر ببال كثيرين:

إذا كان الله غنيًا عنا، ولا يحتاج إلى عبادتنا، فلماذا خلقنا أصلًا؟

ولماذا يقول في كتابه:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]؟

ذلك سؤال يستحق أن نقف معه في المقال القادم من رحلتنا في بناء اليقين.

0 0 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
0 0 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Scroll to Top
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x