كأنك تراه… رحلة في بناء اليقين

الحلقة الثالثة: خلقك… وسخّر لك

وقفنا في الحلقة الماضية مع حقيقة نرددها كثيرًا، ولكننا ربما لا نقف طويلًا عند معناها: أن الله تعالى هو الذي خلقنا. وقفنا مع سؤال القرآن: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾، ونظرنا في شيء من آيات الله في الكون وفي أنفسنا، حتى ننتقل من مجرد معرفة أن الله خلقنا إلى استحضار هذه الحقيقة واليقين بها.

ووقفنا كذلك عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ۝ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾.

لكن تأمل أن الآية لم تقل: ما غرّك بخالقك؟ وإنما قالت: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾.

وكأن أمامنا بابًا آخر من أبواب معرفة الله تعالى. فهو سبحانه لم يخلقك فقط، وإنما أكرمك بما خلق لك، وجعل لك، وسخّر لك.

وقد ختمت المقال السابق بسؤال: إذا كان الله هو الذي خلقني، فما حقه عليّ؟ لكنني أريد، قبل أن نجيب عن هذا السؤال، أن نقف عند هذا المعنى؛ لأنه من المعاني التي تزيد الإنسان معرفة بربه، وحبًا له، وشعورًا بفضله.

الله خلقك… ولكنه أيضًا خلق لك، وجعل لك، وسخّر لك.

ومن الآيات التي تستوقفني كثيرًا في هذا الباب قوله تعالى:

﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.

تستوقفني هنا كلمة صغيرة تتكرر في القرآن كثيرًا، وربما نمر عليها بسرعة:

﴿لَكُم﴾.

لم يقل سبحانه فقط إنه خلق السماوات والأرض، وإنما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم﴾.

ثم انظر إلى هذا الشمول:

﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾.

ويقول سبحانه في موضع آخر:

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾.

ويقول:

﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾.

ويقول:

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾.

خلق لكم… جعل لكم… سخّر لكم.

حين يقرأ الإنسان هذه الآيات بهذا الشعور، يبدأ في النظر إلى العالم من حوله بطريقة مختلفة. هذه الأرض التي أمشي عليها كل يوم لم أصنعها، وهذه السماء التي فوقي لم أرفعها، وهذا الماء الذي أشربه لم أخلقه، والهواء الذي يدخل رئتي لم أصنعه، والشمس التي تعطيني الضوء والحرارة لم أشعلها، والليل الذي أسكن فيه لم أصنعه، ومع ذلك أعيش وسط هذا كله، وأنتفع به في كل لحظة من حياتي.

الأرض التي اعتدناها

تأمل مثلًا قول الله تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾.

ربما لا نشعر بهذه النعمة؛ لأننا منذ أن ولدنا وجدنا الأرض تحت أقدامنا. نمشي عليها، ونبني فوقها بيوتنا، ونزرعها، ونشق فيها الطرق، ونسافر فوقها، ونستخرج منها ما نحتاج إليه، ثم ندفن فيها موتانا. كل هذا أصبح عندنا أمرًا عاديًا.

لكن القرآن لا يريد منا أن نرى الأشياء فقط، وإنما أن نرى النعمة في الأشياء، وأن نرى وراء النعمة المنعِم.

ولهذا لا يقول فقط إن الأرض موجودة، وإنما يقول:

﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾.

وفي موضع آخر:

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾.

أرض تحتك، وسماء فوقك، وماء ينزل، وثمرات تخرج، ثم يقول:

﴿رِزْقًا لَّكُمْ﴾.

وفي موضع آخر يقول سبحانه:

﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾.

فالإنسان يعيش في عالم مهيأ للحياة بإذن الله، ومع ذلك قد تمر علينا الأيام والأسابيع ونحن ننتفع بكل هذه النعم، دون أن نقف لحظة لنسأل:

من جعلها لنا؟

ماذا لو كان العكس؟

ولعل من الأساليب القرآنية العجيبة في إيقاظ هذا الشعور أن القرآن يطلب منك أحيانًا أن تتخيل النعمة وقد تغيرت أو سُلبت منك.

نحن نشرب الماء كل يوم. نفتح الصنبور فينزل الماء، فنشرب، ونغتسل، ونتوضأ، ونطبخ، وربما لا يخطر ببالنا أن هذا في ذاته نعمة عظيمة.

فيقول الله تعالى:

﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ۝ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ ۝ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾.

تأمل قوله:

﴿الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾.

ليس حديثًا عن محيط بعيد، ولا عن شيء لا علاقة لك به. إنه الماء الذي تضعه الآن في كأسك وتشربه.

ثم يأتي السؤال:

ماذا لو كان العكس؟

ماذا لو كان هذا الماء مالحًا لا تستطيع شربه؟

﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾.

وفي موضع آخر:

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ﴾.

نحن نعرف قيمة الماء عندما ينقطع عنا ساعات، فكيف لو غار الماء في الأرض ولم نستطع الوصول إليه؟

كم نحتاج أحيانًا إلى أن نسأل أنفسنا:

ماذا لو كان العكس؟

وماذا لو لم يأت الصباح؟

وهذا المعنى نفسه نجده في آيات تؤثر فيّ كثيرًا كلما قرأتها:

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ۝ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.

منذ أن ولدنا ونحن نرى الشمس تشرق ثم تغرب، ويأتي النهار ثم يأتي الليل، حتى أصبح الأمر عندنا من أكثر الأشياء اعتيادًا.

لكن القرآن يقول لك: توقف لحظة.

ماذا لو لم يأت الصباح غدًا؟

ماذا لو كان الليل سرمدًا إلى يوم القيامة؟

من يستطيع أن يأتيك بالضياء؟

ثم تخيل العكس:

ماذا لو بقي النهار ولم يأت الليل؟

أين تجد ذلك السكون الذي تهدأ فيه الأجساد وتستريح فيه الحياة؟

ثم تأتي الآية بعدها مباشرة، وكأنها تكشف لنا عن هذا المعنى:

﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.

وها هي الكلمة تعود مرة أخرى:

﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾.

الليل ليس مجرد ظاهرة تتكرر، والنهار ليس مجرد ظاهرة تتكرر؛ إنهما من رحمة الله:

﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾.

نعمة نتنفسها ولا نراها

وخذ نعمة أقرب إليك من الأرض والماء والليل والنهار:

النَّفَس الذي يدخل الآن إلى صدرك.

كم مرة تنفست وأنت تقرأ هذه الكلمات؟

ربما عشرات المرات دون أن تفكر في واحدة منها.

يتنفس الإنسان آلاف المرات في يومه، ولا يدفع مقابل كل نفس، ولا يحتاج في كل مرة إلى أن يأمر رئتيه: الآن خذا الهواء، والآن أخرجاه.

وقد جعلتنا جائحة كورونا نرى بأعيننا كيف يمكن لشيء نفعله طوال حياتنا دون أن نفكر فيه أن يصبح فجأة أمنية. رأينا من يضيق عليه التنفس، ومن يحتاج إلى الأكسجين، وعرف كثير من الناس حينها شيئًا من قيمة نعمة كانوا يعيشون فيها كل ثانية دون أن يشعروا بها.

ولا أريد هنا أن أدخل في تفاصيل علمية حول الهواء، وإنما يكفيني أن أسأل نفسي:

من خلق هذا العالم على صورة أستطيع أن أتنفس فيها؟

ومن خلق رئتي؟

ومن خلق الهواء؟

ومن جعل بينهما هذه العلاقة التي تقوم عليها حياتي؟

ربما لا نحتاج دائمًا إلى نعمة جديدة.

ربما نحتاج فقط إلى عين جديدة نرى بها النعم القديمة.

بماء واحد… وليس بطعم واحد

ثم انظر إلى طعامك.

كان يمكن – لو شاء الله – أن يكون غذاؤنا مجرد مادة واحدة نأكلها لكي نبقى أحياء.

ولكن انظر إلى ما حولك من ألوان، وروائح، ومذاقات.

تفاحة، وبرتقالة، وتمرة، وعنبة، ورمانة، وموزة…

ألوان مختلفة، وأشكال مختلفة، وروائح مختلفة، ومذاقات مختلفة.

والقرآن يلفت نظرنا إلى معنى عجيب:

﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.

﴿يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾… ولكن ليس بطعم واحد.

نأكل كل يوم، وربما نفكر في الطعام باعتباره مجرد عادة أو حاجة، لكن المؤمن يستطيع أن يرى في المذاق نفسه نعمة، وفي اللون نعمة، وفي الرائحة نعمة، وفي هذا التنوع نعمة.

ومن الذي جعل الأرض تخرج لنا كل هذا؟

ومن الذي جعل من الماء الواحد هذا التنوع؟

كلما اتسع العلم… اتسع مجال التفكر

وهنا أعود إلى قول الله تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾.

وتأمل مرة أخرى:

﴿لَكُم﴾… ﴿جَمِيعًا﴾.

كلما نظر الإنسان إلى العالم من حوله وجد أبوابًا من الانتفاع لا يستطيع إحصاءها: يأكل من خيرات الأرض، ويلبس مما أخرج الله منها، ويبني من موادها، ويتداوى بما أودع الله فيها، ويركب، ويسافر، ويزرع، ويصنع، ويكتشف.

بل إن كثيرًا مما ينتفع به الإنسان اليوم كان موجودًا في خلق الله قبل أن يعرف الإنسان كيف ينتفع به. المواد موجودة، والخصائص موجودة، والسنن التي أودعها الله في الكون موجودة، ثم يفتح الله على الإنسان بشيء من العلم، فيكتشف كيف يستخدمها.

ولذلك، فكلما اتسعت معرفة الإنسان بهذا الكون، ينبغي أن يتسع أمامه مجال التأمل في خلق الله وتسخيره.

فالمؤمن لا يرى في ازدياد المعرفة منافسًا للإيمان، بل بابًا جديدًا للنظر في آيات الله. وكلما اكتشف الإنسان شيئًا من دقة هذا العالم، وخصائصه، ونظامه، وما أودع الله فيه، وجد أمامه مساحة أوسع للتفكر.

ولعل من الجميل أن القرآن، حين تحدث عن إنزال الماء، واختلاف ألوان الثمرات، ثم الجبال واختلاف ألوانها، والناس والدواب والأنعام، ختم هذا المشهد بقوله:

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ۝ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.

فالعلم الذي يكشف للإنسان شيئًا من عظمة الخلق ينبغي أن يفتح له بابًا إلى معرفة أعظم بالخالق.

ولذلك فالمشكلة ليست في أن يعرف الإنسان أكثر، بل في أن يعرف أكثر ولا يرى أكثر؛ أن تتسع معرفته بالمخلوق، ولا تتسع معرفته بالخالق.

وهذا يعيدنا إلى قوله تعالى:

﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.

ماذا فعلت حتى يستمر كل هذا؟

ولنجرب أن ننظر إلى يوم واحد فقط بطريقة مختلفة.

تنام ليلًا، ثم تستيقظ في الصباح.

وأثناء نومك لم تكن تدير هذا الكون، ولم تكن تأمر قلبك أن ينبض، ولا رئتيك أن تتنفسا، ولا الشمس أن تشرق.

ثم تستيقظ فتجد الماء موجودًا، والهواء موجودًا، والأرض ما زالت تحملك، وعيناك تبصران، وأذناك تسمعان، ورئتاك تتنفسان، وقلبك ينبض، ويأتي الصباح من جديد.

ما الذي فعلته أنت أثناء نومك حتى يستمر كل هذا؟

ربما اعتدنا استمرار النعمة حتى أصبحنا نتعامل معها وكأن استمرارها أمر مضمون، مع أننا لم نصنعها أول مرة، ولا نملك ضمان بقائها مرة أخرى.

هل يجب أن نفقد النعمة حتى نعرفها؟

ولعل المشكلة ليست أننا لا نعيش في النعم، بل ربما المشكلة أننا نعيش فيها كل يوم حتى اعتدناها.

نحن لا نعرف أحيانًا قيمة التنفس حتى يضيق النفس، ولا قيمة الماء حتى ينقطع، ولا قيمة النوم حتى يأتي الأرق، ولا قيمة المشي حتى تعجز الرجلان، ولا قيمة العين حتى يضعف البصر، ولا قيمة الصحة حتى يأتي المرض.

ولكن هل يجب أن نفقد النعمة حتى نعرف أنها كانت نعمة؟

أليس من اليقين أن تراها وهي بين يديك؟

أن تشرب كأس الماء، فلا ترى مجرد ماء.

وأن تستيقظ في الصباح، فلا ترى مجرد يوم جديد.

وأن تمشي على رجليك، فلا ترى ذلك أمرًا مضمونًا.

وأن تأخذ نفسًا، فتدرك أنك تعيش في نعمة.

قال الله تعالى:

﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾.

تأمل هذا الشمول:

﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ﴾.

أي نعمة بك، ظاهرة أو خفية، كبيرة أو صغيرة، اعتدت عليها أو ما زلت تشعر بها:

﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾.

ثم يقول سبحانه:

﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾.

ولعلنا لو جلسنا يومًا كاملًا نكتب نعم الله علينا لما انتهينا.

بل ربما لو حاولنا أن نحصي فقط النعم الموجودة في جسد واحد لما استطعنا.

فكيف بنعم الله في الأرض والسماء، وفي الماء والهواء، وفي الليل والنهار، وفي الطعام والشراب، وفي الأهل والصحة والأمن والعقل والهداية؟

خلقك… وسخّر لك

وهكذا نعود إلى حيث بدأنا.

في الحلقة الماضية وقفنا عند قوله تعالى:

﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾.

الله خلقك.

واليوم أضفنا إلى هذه الحقيقة حقيقة أخرى:

خلقك… وخلق لك، وجعل لك، وسخّر لك.

وحين نقرأ:

﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾

لعلنا نفهم شيئًا آخر من معنى:

﴿الْكَرِيمِ﴾.

هو الذي خلق، وهو الذي أعطى، وهو الذي جعل، وهو الذي سخّر، وهو الذي رزق.

ولذلك ربما لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نخرج به اليوم:

كم نعمة أعطاني الله؟

فنحن عاجزون أصلًا عن إحصائها.

ولكن السؤال:

كم نعمة من نعم الله أعيش فيها الآن، ولكنني من شدة اعتيادي لها لم أعد أراها؟

إن اليقين لا يجعلنا ننظر إلى السماء والأرض بطريقة مختلفة فقط، وإنما يجعلنا ننظر إلى تفاصيل حياتنا بطريقة مختلفة.

الماء هو الماء، والليل هو الليل، والأرض هي الأرض، والنَّفَس هو النَّفَس.

ولكن القلب الذي يعرف الله لا يراها أشياء عادية فقط.

يراها نعمًا، ويرى وراء النعم المنعِم.

﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾.

ويبقى بعد ذلك سؤال آخر:

إذا كانت نعم الله تحيط بي إلى هذا الحد، وإذا كنت أعيش كل يوم فيما خلقه الله لي وسخّره لي، فكيف ينبغي أن أتعامل مع هذه النعم؟ وكيف أحفظ قلبي من أن يعتاد النعمة فينسى المنعِم؟

وهذا ما نقف معه، بإذن الله، في الحلقة القادمة من رحلة بناء اليقين.

0 0 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
0 0 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Scroll to Top
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x