الحلقة الخامسة: هل استغنى الإنسان عن الله؟
لم يصل الإنسان في عصر من العصور إلى ما وصل إليه اليوم.
تقدم العلم، وتطورت وسائل الطب، ووصل الإنسان إلى الفضاء، وأصبح يفعل أشياء كان الناس قبل قرون لا يتصورون إمكانها.
وهذا كله من نعم الله على الإنسان.
لكن هذا التقدم ولّد عند بعض الناس شعورًا بالاستغناء: ما دام الإنسان قد استطاع أن يفسر كثيرًا من الظواهر، ويعالج كثيرًا من الأمراض، ويتحكم في كثير من الأشياء، فهل ما زال محتاجًا إلى الله؟
والقرآن وصف هذه الحالة بكلمات قليلة عجيبة:
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾.
لم يقل الله: أن استغنى، وإنما قال: ﴿أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾.
لأن الإنسان لا يستغني عن الله حقيقة، وإنما يرى نفسه مستغنيًا.
وهنا يبدأ الوهم.
أنت فقير إلى الله
يقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.
خاطب الله الناس جميعًا: الغني والفقير، والعالم والجاهل، والقوي والضعيف، ومن عاش قبل ألف سنة، ومن يعيش اليوم في أوج التقدم العلمي:
﴿أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾.
أنت محتاج إلى الله في كل نفس، وفي كل طرفة عين، وفي كل خطوة وقرار.
تحتاج إليه في نومك ويقظتك، وفي طعامك وشرابك، وفي بصرك وعقلك، وفي نبض قلبك الذي لا تأمره بنبضة واحدة.
أشياء كثيرة تجري في جسدك الآن وأنت تقرأ هذه الكلمات، ولو تعطلت واحدة منها ربما تغيرت حياتك كلها.
أنت محتاج إلى الله حتى في الأشياء التي تظن أنك تفعلها بنفسك.
وقد لخّص إبراهيم عليه السلام رحلة الإنسان في كلمات:
﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾.
خلق وهداية، وطعام وشراب، ومرض وشفاء، وموت وحياة، ثم مغفرة وآخرة.
إنها رحلة الإنسان كلها، وكلها افتقار إلى الله.
هل جعلنا العلم أقل حاجة إلى الله؟
العلم نعمة عظيمة، والإسلام لا يدعو إلى الجهل ولا إلى ترك الأسباب.
لكن المشكلة تبدأ عندما ينتقل الإنسان من قول:
لقد عرفنا كيف يعمل هذا الشيء
إلى قول:
إذن لم نعد بحاجة إلى الله.
لقد زاد العلم قدرة الإنسان على استعمال الأسباب، لكنه لم يجعله مستغنيًا عن الله.
فالإنسان الذي وصل إلى الفضاء أخذ معه الأكسجين والماء والغذاء، وحافظ على ظروف دقيقة؛ لأن خروجه من البيئة التي هيأها الله لحياته يكشف ضعفه أكثر.
إن التقدم يغير الوسائل التي نلبي بها حاجاتنا، لكنه لا يلغي حقيقة أننا محتاجون.
ثم إن حاجتنا إلى الله ليست حاجة البداية فقط.
الله سبحانه هو:
﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
فالخلق مفتقرون إليه في وجودهم واستمرارهم:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا﴾.
أنت لم تحتج إلى الله يوم خُلقت فقط.
أنت محتاج إليه الآن، وستحتاج إليه عند الموت وبعده.
بل حتى رسول الله ﷺ أُمر أن يقول:
﴿قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾.
وقال لأقرب الناس إليه:
«يا فاطمة بنت محمد… لا أُغني عنك من الله شيئًا».
فمن هذا الإنسان الذي يتصور أن علمه أو ماله أو قوته جعلته مستغنيًا عن ربه؟
الشدة لا تجعلك فقيرًا… وإنما تكشف فقرك
قد لا يشعر الإنسان بحاجته إلى الله حين تكون صحته ورزقه وأسرته بخير، والأسباب تعمل كما يريد.
ثم تأتي لحظة واحدة تقلب الحسابات.
وقد رسم القرآن هذا المشهد في صورة الإنسان في البحر:
﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
قبل لحظات كانت ﴿رِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾، ثم صارت ﴿رِيحٌ عَاصِفٌ﴾، فسقطت أوهام السيطرة.
وهنا يقول القرآن:
﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ… أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾.
المصيبة لا تجعلك فقيرًا إلى الله.
إنما تكشف لك أنك كنت فقيرًا إليه طوال الوقت.
فلا تنتظر الشدة حتى تعرف الله
والعجيب أن الإنسان قد يعرف الله في الشدة، ثم إذا كشف الله عنه عاد فنسي.
قال تعالى:
﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾.
كان ينبغي أن تكون النعمة دليلًا على المنعم، فإذا بها عند بعض الناس تصبح حجابًا عنه!
وكان ينبغي كلما ازدادت نعم الله عليك أن تزداد معرفة به، وشكرًا له، وقربًا منه.
لكن بعض الناس يعطيه الله حتى يظن أنه لم يعد محتاجًا إلى الله.
ولهذا قال النبي ﷺ لابن عباس رضي الله عنهما:
«تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة».
لا تنتظر المرض حتى تعرف الله، ولا الفقر حتى تطرق بابه، ولا انقطاع الأسباب حتى تتذكره.
اعرفه وأنت صحيح، وأنت موسر، وأنت آمن.
فالله ليس ملجأ للطوارئ نعود إليه فقط عندما تفشل بقية الحلول.
ولكنني دعوت الله ولم أر ما طلبت!
وقد يقول إنسان:
دعوت الله، فلماذا لم أحصل على ما طلبت؟
قال الله تعالى:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.
لكن الإجابة لا تعني بالضرورة أن يعطيك الله عين ما طلبت، في الوقت والصورة اللذين أردتهما.
فنحن نعرف ما نريد، لكننا لا نعرف دائمًا ما هو الخير لنا:
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقد جاءت السنة بأن دعاء المؤمن لا يضيع: إما أن يعجل الله له ما دعا به، أو يدخره له، أو يصرف عنه من السوء مثله.
افتقارنا إلى الله لا يعني أن الله مطالب بتحقيق كل رغباتنا؛ فالافتقار وصف لحقيقتنا، وليس عقدًا نفرض به شروطنا على الله.
نحن ندعو ولا نملي، ونسأل ولا نفرض.
نحن الذين نُختبر، ولسنا نحن الذين نختبر الله.
ولهذا قال سبحانه:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ﴾.
المؤمن يعبد الله لأنه عرف أنه الحق، لا لأنه عقد معه صفقة: إن أعطاني ما أريد آمنت، وإن لم يعطني تركت الإيمان.
وهناك فقر أخطر
حين نتحدث عن حاجتنا إلى الله نفكر غالبًا في الصحة والمال والرزق.
لكن هناك حاجة أعظم.
أنت لا تحتاج إلى الله فقط لكي يبقي قلبك ينبض، بل تحتاج إليه لكي يبقي قلبك مؤمنًا.
تحتاج إليه في الهداية والثبات، وفي حفظ قلبك من الشبهة والشهوة، وفي الإعانة على الطاعة، وفي مغفرة التقصير، وفي حسن الخاتمة.
ولهذا كان النبي ﷺ يقول:
«يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك».
فكما أنك فقير إلى الله في خلقك، أنت فقير إليه في هدايتك.
فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين
ومن أجمل ما يعبّر عن هذا المعنى دعاء النبي ﷺ:
«اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت».
تأمل:
«فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين».
هذه هي حقيقة الافتقار.
أن تأخذ بالأسباب كلها، ولا تستغني بها عن الله.
تتعلم، وتعمل، وتخطط، وتذهب إلى الطبيب، وتأخذ الدواء، وتستشير الناس، وتستعمل عقلك.
لكن قلبك لا يعتمد على شيء من ذلك استقلالًا عن الله.
وليس معنى هذا أن تترك المال أو تعطل العقل أو تزهد في العلم أو تستغني عن الناس.
بل تستعمل كل ذلك، وتعرف قدره وحدوده.
وقد عبّر أبو القاسم السهيلي عن هذا الافتقار بأبيات جميلة:
يا من يُرجّى للشدائد كلِّها
يا من إليه المشتكى والمفزعُ
ما لي سوى فقري إليك وسيلةٌ
فبالافتقار إليك فقري أدفعُ
ما لي سوى قرعي لبابك حيلةٌ
فلئن رُددتُ فأيَّ بابٍ أقرعُ؟
وهذه ثمرة اليقين:
أن تتعلم وتعمل وتتقدم وتخطط وتأخذ بالأسباب، ويبقى في قلبك معنى لا يتغير:
أنا عبد فقير إلى الله.
كلما زاد علمك، ازددت معرفة بحدوده.
وكلما زادت قوتك، ازددت معرفة بمن وهبك إياها.
وكلما كثرت نعمك، ازددت معرفة بالمنعم.
فليست المشكلة في العلم، ولا في المال، ولا في القوة، ولا في التقدم.
المشكلة حين يتحول العلم إلى غرور، والنعمة إلى حجاب، والقدرة إلى وهم، والأسباب إلى شعور بالاستغناء.
وهنا يعيدك القرآن إلى البداية:
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾.
ثم يضعك أمام حقيقتك:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾.
لكن الآية لم تنته هنا:
﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.
نحن فقراء إليه، وهو سبحانه غني عنا.
لا يحتاج إلى صلاتنا ولا إلى صيامنا ولا إلى عبادتنا، ولا تزيد طاعتنا في ملكه شيئًا.
وهنا يأتي سؤال سبق أن طرحه عليّ أحد أبنائي:
إذا كان الله لا يحتاج إلى عبادتنا، فلماذا خلقنا لعبادته؟ ولماذا يأمرنا بالصلاة والطاعة وهو الغني عنا؟
وهذا يقودنا إلى الشطر الآخر من الآية، وإلى جانب آخر من معرفة الله:
﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.
وهذا، إن شاء الله، حديث الحلقة القادمة من رحلة بناء اليقين.