لماذا تظهر ردود الفعل أثناء الرقية؟ الإيحاء والتوقع… حين يستجيب الجسد لما ينتظره العقل (الجزء السادس)

في الجزء السابق ناقشنا بعض ما يُستدل به لتفسير ردود الفعل التي تظهر أثناء الرقية، وتوقفنا عند احتمال التمثيل والاصطناع في بعض الحالات، مؤكدين أن ذلك لا يصلح تفسيرًا لكل ما نراه.

ويبقى السؤال الأهم:

ماذا عن الإنسان الصادق الذي لا يمثل ولا يتصنع، ومع ذلك تظهر عليه أثناء الرقية ردود فعل حقيقية؟

هنا ننتقل إلى أسباب أخرى مختلفة، لعل من أهمها: الاعتقاد المسبق، والتوقع، والإيحاء، والخوف، فضلًا عن أسباب نفسية أو عصبية أو عضوية قد تتشابه أعراضها مع ما اعتاد الناس تسميته «أعراض المس».

ولنبدأ بالإيحاء والتوقع؛ لأن فهمهما يساعدنا على تفسير كثير من المشاهد التي تبدو لأول وهلة غامضة.

حين يدخل الإنسان جلسة الرقية وهو يعرف مسبقًا ما الذي «ينبغي» أن يحدث

الإنسان لا يدخل جلسة الرقية دائمًا بعقل خالٍ من التصورات.

فقد يكون قد شاهد عشرات المقاطع لأشخاص تُقرأ عليهم الرقية، ورأى كيف يصرخون ويرتعشون ويسقطون.

وقد يكون قرأ كتبًا أو منشورات تضع قوائم لما يسمى «أعراض المس» و«أعراض السحر» و«أعراض العين».

وقد يكون سمع من الناس أو من بعض الرقاة أن المصاب إذا قُرئ عليه القرآن فإنه يشعر بحرارة، أو تنميل، أو صداع، أو ضيق، أو تثاؤب، أو رغبة في البكاء، أو حركة في بعض أطرافه.

ثم يدخل جلسة الرقية وهو ينتظر:

هل سأشعر بشيء؟ وهل ستظهر عليَّ تلك العلامات؟

وهنا يصبح الإنسان شديد الانتباه إلى جسده.

نبضة قلب لم يكن ينتبه إليها من قبل يلاحظها الآن.

حركة بسيطة في يده تسترعي انتباهه.

تثاؤب عادي يصبح ذا دلالة.

حرارة خفيفة، أو برودة، أو وخزة، أو تنميل، أو توتر في العضلات، أو رغبة في البكاء… كلها تصبح تحت المراقبة.

فإذا كان مقتنعًا مسبقًا بأن هذه هي «علامات المس»، فإنه لا يشعر بالأعراض فقط، وإنما يعطيها في اللحظة نفسها تفسيرًا جاهزًا:

لقد بدأ العارض يتأثر.

ومن هنا قد تبدأ دائرة يغذي بعضها بعضًا:

يتوقع الإنسان العرض، فيراقب جسده، فيشعر بشيء، فيفسره على أنه علامة مس، فيزداد خوفه وتوتره، فتزداد استجابة جسده، فيزداد اقتناعه بأن ما فيه بدأ يتحرك.

وهكذا يمكن أن تكون ردة الفعل حقيقية تمامًا، مع أن التفسير الذي أُعطي لها ليس بالضرورة صحيحًا.

«ولكن ظهرت عليَّ العلامات!»

أذكر أنني قرأت الرقية ذات مرة على شابة، وبعد انتهاء القراءة قلت لها، حسب ما ظهر لي:

ليس بك شيء.

فاستغربت وقالت:

وكيف ليس بي شيء وقد ظهرت عليَّ العلامات أثناء الرقية؟

فسألتها:

وأي علامات؟

فبدأت تعدد لي مجموعة من الأحاسيس وردود الفعل التي شعرت بها أثناء القراءة.

فسألتها:

ومن أدراك أن هذه العلامات لها علاقة بالمس؟

فأخبرتني أنها قرأت في أحد الكتب عن «علامات المس» و«علامات السحر»، وعن الأعراض التي تظهر على المصاب أثناء الرقية.

وهنا تكمن نقطة مهمة.

فالشابة لم تدخل جلسة الرقية دون تصور مسبق، وإنما دخلتها وهي تحمل في ذهنها قائمة من الأعراض التي قرأت أنها يفترض أن تظهر على المصاب.

ثم بدأت تراقب نفسها وجسدها أثناء القراءة.

فلما شعرت ببعض ما قرأت عنه، لم تعد تلك الأحاسيس بالنسبة إليها مجرد أحاسيس جسدية، وإنما أصبحت دليلًا يؤكد الاعتقاد السابق:

إذن بي مس.

لكن السؤال هو:

هل ظهور العرض يثبت التفسير الذي قرأته له؟

إن معرفة الإنسان المسبقة بما «ينبغي أن يشعر به» قد تؤثر في الطريقة التي يراقب بها جسده، وفي تفسيره لما يشعر به، بل وقد تسهم في ظهور بعض تلك الاستجابات نفسها.

وهذا لا يعني أن الشخص يكذب أو يمثل.

فقد يكون ما يشعر به حقيقيًا تمامًا.

لكن كون الإحساس حقيقيًا لا يعني أن التفسير المعطى له صحيح.

عندما يستجيب الجسد للخوف والتوقع

تأثير الأفكار والتوقعات والخوف في الجسد أمر نعرفه جميعًا من تجارب الحياة اليومية.

فالإنسان قد يسمع خبرًا مفزعًا فتتسارع دقات قلبه.

وقد يخجل فيحمر وجهه.

وقد يقلق فيشعر باضطراب في معدته.

وقد يقف أمام جمهور فيجف فمه وترتعش يداه.

وقد يفكر في شيء مقزز فيشعر بالغثيان.

ولا يعني ذلك أنه يمثل.

فالخوف حقيقي، والأثر الذي أحدثه في الجسد حقيقي أيضًا.

وهذا يساعدنا على فهم كيف يمكن للتوقع والخوف والإيحاء أن تصاحبها استجابات جسدية حقيقية، دون أن يكون الإنسان متصنعًا لها.

ومن التجارب الواقعية التي بقيت عالقة في ذهني قصة شاب كنت أعرفه.

الشاب الذي سقط في المسجد مرتين

سقط هذا الشاب ذات جمعة في المسجد فجأة ونحن نسوي الصفوف استعدادًا للصلاة.

أغمي عليه، فنُقل إلى المستشفى، وبعد الفحوصات تبين أن الإغماء في المرة الأولى كان مرتبطًا بمشكلة صحية في القلب.

تلقى العلاج وتحسنت حالته، ولله الحمد.

لكن الحادث ترك فيه أثرًا نفسيًا قويًا، وبقي مدة طويلة لا يأتي إلى المسجد.

وبعد مدة قرر العودة.

وكانت عودته يوم الجمعة.

دخل المسجد نفسه، وفي الظروف نفسها تقريبًا التي وقعت فيها الحادثة الأولى.

مرت الخطبة بسلام.

لكن عندما انتهت الخطبة وبدأ الناس يسوون الصفوف استعدادًا للصلاة، أي في اللحظة نفسها تقريبًا التي سقط فيها في المرة الأولى، سقط الشاب مرة أخرى مغشيًا عليه.

ونُقل إلى المستشفى من جديد.

لكن هذه المرة، وبعد الفحوصات، تبين أن قلبه سليم، وأن السبب الصحي الذي أدى إلى الأزمة الأولى لم يعد موجودًا.

فما الذي حدث؟

بحسب ما نقله إليَّ الشاب عن تفسير المختصين، كان للخوف من تكرار التجربة الأولى واستحضارها دور في ما وقع له في المرة الثانية.

فمنذ عودته إلى المسجد كانت أسئلة من قبيل هذه حاضرة في ذهنه:

ماذا لو حدث لي من جديد؟

ماذا لو سقطت مرة أخرى؟

كيف سيكون وضعي أمام الناس؟

ومع اقتراب اللحظة التي ارتبطت في ذاكرته بالحادث الأول، ازداد الخوف والترقب، واستجاب الجسد لذلك.

والشاهد هنا ليس تشخيص حالة هذا الشاب، وإنما المبدأ الذي تساعدنا قصته على فهمه:

يمكن للإنسان أن يتعرض لاستجابة جسدية حقيقية تحت تأثير الخوف والتوقع، دون أن يكون ممثلًا أو متصنعًا.

فإذا كان هذا ممكنًا في المسجد، أو في المستشفى، أو في الطائرة، أو في قاعة الامتحان، فلماذا نستبعد إمكان حدوث شيء منه أثناء جلسة الرقية، حيث يكون الإنسان أصلًا في حالة ترقب شديدة وينتظر ظهور أعراض بعينها؟

وماذا لو جاء الإيحاء من الراقي نفسه؟

وليس الإيحاء دائمًا صادرًا من الإنسان نفسه.

فقد يدخل الشخص جلسة الرقية دون اقتناع كامل بأن به مسًّا أو سحرًا، لكن الفكرة تأتيه من المحيطين به.

قد يقول له قريب:

أنت تغيرت كثيرًا، لا بد أن بك عينًا.

أو:

منذ أن حدث لك كذا وأنت على هذه الحال، ربما عمل لك أحدهم سحرًا.

ثم يذهب إلى الراقي، فيقال له:

هذه علامات مس.

وقد يزداد الأمر أثناء القراءة حين يسأله الراقي:

هل تشعر بتنميل؟

هل تحركت يدك؟

هل تشعر بحرارة؟

هل تريد أن تبكي؟

هل تشعر بشيء يتحرك في بطنك؟

والإنسان حين يُسأل بهذه الطريقة يبدأ تلقائيًا في البحث داخل جسده عن الشيء الذي سُئل عنه.

وقد يكرر الراقي أثناء الجلسة، مخاطبًا من يفترض أنه داخل الجسد:

اخرج!

تكلم!

من أنت؟

أين السحر؟

من أرسلك؟

كل هذا يقدم للمريض منذ البداية إطارًا جاهزًا لتفسير ما يشعر به.

فإذا تحركت يده قيل: تحرك العارض.

وإذا شعر بحرارة قيل: تأثر الجني.

وإذا بكى قيل: بدأ يضعف.

ومع تكرار الجلسات قد يترسخ هذا التصور أكثر فأكثر.

فالراقي ينتظر علامات معينة، والمريض يعرف ما ينتظره الراقي، وكل استجابة تظهر تصبح تأكيدًا للاعتقاد السابق.

وقد يدخل الإنسان الجلسة وهو لا يزال يشك في أن به شيئًا، ثم يخرج منها مقتنعًا تمامًا بأنه «مسكون»، لأن كل ما وقع أثناء الجلسة فُسِّر له من زاوية واحدة.

حين يصنع التشخيص مشكلة لم تكن موجودة

ومن الحالات التي ذكرتها في كتابي حالة امرأة في نحو الثلاثين من عمرها اتصلت بي تسأل عن وضعها.

كانت امرأة ناجحة، أنهت دراستها، وحصلت على وظيفة جيدة، وكانت حياتها مستقرة، ولم تكن تعاني مشكلة نفسية تذكر بسبب عدم زواجها.

وفي يوم من الأيام بدأت إحدى قريباتها تتحدث إليها عن الأمر، وقالت لها بما معناه:

بلغت الثلاثين، ولا ينقصك جمال ولا مال، فلماذا لم تتزوجي حتى الآن؟

في البداية لم تكن المرأة ترى في الأمر مشكلة كبيرة.

لكن مع تكرار الكلام بدأت الفكرة تشغلها.

ثم اقترحت عليها قريبتها الذهاب إلى راقٍ.

ذهبت إليه.

وبعد جلسة الرقية خرجت بالتشخيص:

بك جن عاشق يمنع الرجال منك ويعطل زواجك لأنه يريدك لنفسه.

منذ تلك اللحظة تغيرت حياة المرأة.

بدأت تفقد التركيز في عملها.

وبدأ الخوف والقلق.

وأصبحت الفكرة تلاحقها.

وعندما تريد النوم بدأت تتخيل ذلك «الجني العاشق»:

أين هو؟

ماذا يفعل؟

ماذا يمكن أن يفعل بها؟

وكيف ستتخلص منه؟

وبدأت تظهر عليها مع الوقت معاناة وأعراض لم تكن موجودة قبل ذلك التشخيص.

وهنا ينبغي أن نتوقف ونسأل:

هل الراقي اكتشف المرض، أم ساهم تشخيصه في صناعة مشكلة جديدة؟

ما الذي تغير أولًا في حياة هذه المرأة؟

هل ثبت فجأة وجود جني عاشق؟

أم أن الذي تغير أولًا هو الفكرة التي وُضعت في ذهنها والتفسير الذي أُعطي لها، ثم بدأت آثار الخوف والانشغال بهذه الفكرة تظهر على حياتها ونفسيتها وجسدها؟

ولحسن الحظ كانت هذه المرأة واعية وقابلة لمراجعة الفكرة، ومع تغير قناعتها بالتفسير الذي أُعطي لها بدأت حالتها تتحسن.

وهنا تكمن خطورة التشخيصات المتسرعة.

فالكلمة التي يقولها الراقي للمريض قد لا تنتهي بانتهاء الجلسة.

قد يحملها معه إلى بيته.

وقد ينام معها ويستيقظ عليها.

وقد يبدأ في إعادة تفسير كل ما يحدث في حياته على ضوئها.

صداعه يصبح مسًّا.

وأرقه يصبح سحرًا.

وتوتره يصبح عينًا.

ومشكلته الزوجية تصبح «جنيًا عاشقًا».

وهكذا قد لا يعود الإنسان يرى ما يحدث له إلا من خلال التشخيص الذي تلقاه.

هل الإيحاء يفسر كل شيء؟

لا.

فالحالات تختلف، وقد تتشابه الأعراض بينما تختلف أسبابها. وقد تكون وراء بعضها أسباب نفسية أو عصبية أو عضوية، أو نوبات هلع أو حالات إغماء أو تشنجات أو اضطرابات أخرى تحتاج إلى تقييم أهل الاختصاص.

وقد ناقشت في كتابي بتفصيل أوسع عددًا من الحالات والأمراض التي يمكن أن تتشابه بعض أعراضها مع ما اعتاد الناس تسميته «أعراض المس»، ولا أريد أن أعيد تلك الفصول كلها في هذه السلسلة. فمن أراد مزيدًا من التفصيل فيمكنه الرجوع إلى الكتاب المنشور على موقعي.

والقاعدة التي ينبغي أن تبقى أمامنا هي:

تشابه الأعراض لا يعني وحدة الأسباب.

فالارتعاش والصراخ والإغماء والتنميل وغيرها ظواهر تحتاج إلى تفسير، وليست تفسيرًا في ذاتها. ولا يصح أن ننتقل من مشاهدة العرض مباشرة إلى القول: تحرك الجني، دون دليل يثبت هذه العلاقة.

وقد لا نستطيع أحيانًا أن نحدد سبب ما حدث.

وهذا لا يثبت تلقائيًا التفسير الآخر.

فكما أن براءة متهم لا تتوقف على معرفتنا بالفاعل الحقيقي للجريمة، فإن إسقاط تفسير غير ثابت لا يلزمنا بأن نمتلك في اللحظة نفسها تفسيرًا نهائيًا لكل حالة.

وقد يكون الجواب الأكثر علمًا وإنصافًا أحيانًا:

لا نعرف بعد.

ويبقى بعد ذلك نوع من المشاهد يراه كثيرون أقوى من كل ما سبق: أن يتغير صوت الشخص أثناء الرقية، أو يتكلم بكلام غير مفهوم، أو يبدو كأنه يتحدث بلغة لم يتعلمها أصلًا.

وهنا يقال:

إذا لم يكن الجني هو الذي يتكلم على لسانه، فمن أين جاءت هذه اللغة؟

هذا السؤال يستحق وقفة مستقلة.

وهو موضوع الجزء القادم، إن شاء الله.

📖 للمزيد من التفصيل، يمكنكم قراءة كتابي على موقعي.

0 0 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
0 0 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Scroll to Top
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x