ما الذي يملكه الراقي ولا نملكه نحن؟ (الجزء الثالث)

سلسلة: الرقية في ميزان الشرع والعقل

في المقالين السابقين حاولت أن أبين أن الرقية، كما جاءت في القرآن والسنة، ليست علمًا غامضًا ولا تخصصًا يحتاج إلى دراسة خاصة، وإنما هي قراءة للقرآن، ودعاء لله تعالى، وذكر له، مع يقين بأن الشفاء بيده وحده، والأخذ بالأسباب التي جعلها الله في هذه الحياة.

وهنا يفرض السؤال نفسه:

إذا كانت الرقية بهذا المعنى، فما الذي يملكه الراقي ولا نملكه نحن؟

لماذا يحتاج الإنسان إلى شخص آخر ليقرأ عليه القرآن أو يدعو له، ما دام يستطيع أن يفعل ذلك بنفسه؟

هل الراقي يحفظ من القرآن ما لا نحفظه نحن؟
هل يعرف أدعية وأذكارًا خصه الله بها دون سائر المسلمين؟
هل يملك -مثلًا- حزامًا أسود في فنون قتال الجن؟ أم أنه درس علمًا لا نعرفه، أو اطلع على أسرار لم يطلع عليها غيره؟

الحقيقة أن الأمر أبسط من كل هذه الهالة التي صنعت حول الرقية.

بل إن من أشهر ما كان يُسترقى به في زمن النبي ﷺ المعوذتان: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، وهما مما يحفظه ملايين المسلمين، بل يحفظهما الطفل قبل أن يعرف كثيرًا من أمور الحياة.

فلماذا أحتاج إلى شخص آخر ليقرأهما علي؟

إن كان الإنسان يشعر بمرض أو ضيق أو خوف أو معاناة، فبإمكانه أن يرفع يديه إلى الله، ويقرأ ما تيسر من كتابه، ويدعوه بصدق وإخلاص. لا يحتاج في ذلك إلى وسيط، ولا إلى موعد، ولا إلى جلسة، ولا إلى شخص يحمل لقب «الراقي الشرعي».

وهنا تبدأ المشكلة في الصورة التي صنعتها المجتمعات حول بعض الرقاة.

فقد أصبح «الراقي» عند كثير من الناس شخصًا مختلفًا عن بقية الناس، وكأن لديه علمًا خاصًا، أو قدرة استثنائية، أو مفاتيح لا يملكها غيره.

والأعجب أن بعض من امتهنوا الرقية لا تجد عندهم أصلًا ما يبرر هذه المكانة التي مُنحت لهم.

استمع إلى بعضهم وهو يقرأ القرآن، فتجد من يلحن لحنًا ظاهرًا، وربما وقع في أخطاء في التلاوة، ومع ذلك تصنع له هالة كبيرة: الراقي فلان، والشيخ فلان، والناس يأتونه من مئات الكيلومترات، وربما يسافرون إليه من دولة إلى أخرى.

ثم تبحث عن مؤهلاته، فلا تجد علمًا خاصًا، ولا تخصصًا، ولا تكوينًا، ولا ورعًا يبرر هذه المكانة.

وإنما تجد في بعض الحالات الجرأة على التصدر، ثم الشهرة، ثم تكرار الظهور، ثم تأتي الهالة بعد ذلك لتصنع من الإنسان شيئًا لم يكن عليه في الأصل.

والغريب أن الإنسان قد يزكي نفسه بنفسه، فيسمي نفسه «الراقي الشرعي».

لكن هل نقول عن شخص يكثر من الدعاء: «الداعي الشرعي»؟
وهل نقول عن شخص يقرأ القرآن: «القارئ الشرعي»؟

الرقية ليست لقبًا، ولا شهادة علمية، ولا تخصصًا يمنح صاحبه سلطة على الناس.

والمشكلة الأكبر أن الناس لا يذهبون إلى الراقي فقط من أجل قراءة القرآن والدعاء، وإنما يذهبون إليه بسبب الصورة التي تكونت في أذهانهم عنه.

فالذي يقصد الراقي غالبًا لا يتوقع منه أن يقرأ عليه القرآن فحسب، وإنما يتوقع منه أن يعرف ما به، وأن يشخص حالته، وأن يحدد هل هو مصاب بسحر أو عين أو مس، وربما يعرف نوع السحر، ومن فعله، وأين وضع، وما الذي ترتب عليه.

وهنا ينبغي أن نتوقف.

من أين جاءه هذا العلم؟

قراءة القرآن لا تمنح الإنسان علمًا بالغيب، والرقية لا تجعل صاحبها قادرًا على معرفة ما خفي عن الناس.

فإذا اعتقد الإنسان أن شخصًا يستطيع، بمجرد القراءة أو الدعاء أو بعض العلامات التي يراها أثناء الجلسة، أن يعرف نوع السحر الذي أصابه، أو من فعله، أو أن يكشف أمورًا غيبية لا سبيل إلى معرفتها، فالأمر هنا يصبح أخطر بكثير من مجرد خطأ في اختيار شخص يعالجه.

إن معرفة الغيب ليست تخصصًا بشريًا، ولا مهارة يكتسبها الإنسان بكثرة التجارب.

قال الله تعالى:

﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.

ولهذا، فإن اعتقاد الإنسان في شخص أنه يستطيع كشف الغيب أو معرفة ما وراء الأسباب الظاهرة قد يمس صميم عقيدته في هذا الباب.

وهناك أمر آخر لاحظته بحكم التجربة، وهو أن بعض الناس لا يذهبون إلى الراقي بحثًا عن الحقيقة، وإنما يذهبون إليه بحثًا عن تأكيد لما يعتقدونه مسبقًا.

يكون الإنسان قد أقنع نفسه بأن ما يعانيه سببه السحر أو العين أو المس، ثم يبحث عن راقٍ يؤكد له هذا التفسير.

فإذا قال له أحد: ربما تحتاج إلى طبيب، أو ربما ما تعانيه مرتبط بأسباب نفسية أو اجتماعية، أو ربما عليك أن تبحث أولًا عن الأسباب الظاهرة، فقد لا يرتاح إلى كلامه.

بل قد يتركه ويبحث عن راقٍ آخر، حتى يجد من يقول له ما كان يريد أن يسمعه أصلًا.

وهنا يصبح الراقي، في بعض الحالات، مجرد مصدق لقناعة المريض، لا باحثًا عن حقيقة حالته.

وأذكر في هذا السياق قصة أم اتصلت بي ذات مرة، تسألني عن راقٍ لحالة ابنها.

وبينما كانت تشرح لي حالته، بدأت تتحدث بثقة عن أنه مصاب بـ«السحر الأسود»، ثم أخذت تشرح لي أنواع هذا السحر وأعراضه وأسبابه، وكأنها تتحدث عن علم قائم على قواعد ومعارف دقيقة.

فقلت لها مستغربًا:

أنت تتصلين بي لأنك تظنين أنني أعرف في الرقية، وأنا لا أعرف هذه الأشياء التي تعرفينها أنت؟

ثم قلت لها:

إذا كنت تعرفين أنواع السحر وأعراضه وأسبابه، وتعرفين أن ابنك مصاب بهذا النوع تحديدًا، فأنت إذن لا تحتاجين إلى راقٍ؛ فليس هناك راقٍ أفضل لابنك منك!

قد تبدو القصة طريفة للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة تكشف شيئًا أعمق.

لقد أصبح بعض الناس يتعاملون مع تفاصيل السحر والعين والمس وكأنها علوم واضحة ومعلومة، حتى يأتي المريض إلى الراقي وقد سبق أن وضع التشخيص، وحدد نوع المرض وأسبابه، ولم يبق أمام الراقي إلا أن يمنح هذا التشخيص ختم الموافقة.

وهنا يعود السؤال:

من أين جاءت كل هذه المعرفة؟

إذا كان الإنسان يريد الرقية، فلماذا لا يرقي نفسه؟

وإذا كان يريد الدعاء، فلماذا لا يدعو الله بنفسه؟

وإذا أراد أن يطلب الدعاء من شخص يظن فيه الصلاح والتقوى، فلا يحتاج إلى أن يبحث عن «متخصص في الرقية».

صليت خلف إمام وظننت فيه الخير، أو التقيت رجلًا صالحًا، فقلت له: «ادع الله لي أن يشفيني»، فهذا يكفي.

أما أن يتحول الأمر إلى مواعيد وجلسات، وينتظر الإنسان من شخص معين أن يشخص له حالته، وأن يكشف له ما وراء الأعراض، وأن يخبره بما لا يعرفه هو عن نفسه، فهنا نحن أمام صورة أخرى تحتاج إلى مراجعة جادة.

أما إذا أحس الإنسان بمرض عضوي، فليذهب إلى الطبيب.

وإذا كان يعاني من مشكلة نفسية، فليستعن بالمختص.

وإذا كان مرضه في قلبه، من قسوة أو كبر أو غرور أو حسد أو ضعف في الإيمان، فليعد إلى القرآن، وليجتهد في إصلاح نفسه وتقوية صلته بالله.

فالقرآن لم ينزل ليكون مجرد وسيلة لعلاج الأعراض، وإنما جاء ليعالج الإنسان من داخله، ويهديه، ويزكيه، ويقيم قلبه وحياته.

ومن هنا، فإن الرقية التي يستطيعها كل مسلم لا تحتاج إلى صناعة طبقة خاصة من الناس حولها، ولا إلى منح بعض الأشخاص سلطة لا يملكونها.

أنت تستطيع أن ترقي نفسك.
وتستطيع أن تدعو الله لنفسك.
وتستطيع أن تقرأ القرآن على نفسك وأهلك.

ولا يعني طلب الدعاء من إنسان صالح أن تجعله وسيطًا بينك وبين الله، وإنما هو مجرد دعاء من عبد لآخر، والشفاء في النهاية من الله وحده.

أما أن تعتقد أن شخصًا بعينه يملك قدرة خاصة على تشخيص ما بك، أو معرفة ما خفي عنك، أو الكشف عن أمور غيبية، فهنا يجب أن نتوقف، لأن المسألة لم تعد مجرد رقية ودعاء.

وفي المقال القادم، سنقترب أكثر من هذه النقطة:

هل يملك الراقي حق تشخيص السحر والعين والمس؟ وعلى أي أساس يقول للإنسان: أنت مسحور، أو بك عين، أو بك مس؟

وهنا تبدأ قضية أخرى، ربما كانت من أخطر القضايا في هذا الباب.

0 0 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
0 0 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Scroll to Top
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x