سلسلة: الرقية في ميزان الشرع والعقل
قبل أكثر من عشر سنوات بدأت أنشر سلسلة من المقالات والفيديوهات التي تناولت بالنقد كثيرا من الممارسات المنسوبة إلى ما يسمى بالرقية الشرعية. وقد لقيت تلك المقالات انتشارا واسعا، ثم جمعت أفكارها، بعد مراجعتها وتوسيعها، في كتاب صدر سنة 2021.
ولم تكن تلك الكتابات مجرد تأملات نظرية، بل جاءت بعد سنوات من ممارسة الرقية، والاحتكاك المباشر بمئات الحالات، والاستماع إلى قصص الناس ومعاناتهم. ولذلك فإن ما سأكتبه هنا ليس حكما من خارج التجربة، بل مراجعة هادئة لتجربة عشتها، ثم أعدت النظر في كثير من تفاصيلها على ضوء القرآن والسنة، وما انتهيت إليه بعد سنوات من البحث والتأمل.
واليوم، وبعد أكثر من عشر سنوات على بداية ذلك المشروع، لا تزال هذه الظاهرة حاضرة، وإن تغيرت بعض أشكالها ووسائل انتشارها. بل إن وسائل التواصل الاجتماعي أفرزت جيلا جديدا من المتحدثين في هذا الباب، يتناولون عالم الجن والسحر والعين والرقية بثقة كبيرة، ويصفون تفاصيل عالم غيبي لا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي. فيتحدث بعضهم عن أنواع البخور التي تجذب الجن، وأنواع أخرى تؤذيهم أو تطردهم أو تقتلهم، وعن طبائعهم، وتصرفاتهم، وأحوالهم، وكأنه ينقل حقائق علمية أو مشاهدات يقينية.
وهنا يفرض سؤال نفسه: من أين جاءت كل هذه المعرفة؟
فعالم الجن عالم غيب، والغيب لا يُعرف بالتجارب الشخصية، ولا بكثرة القصص، ولا بالحدس، وإنما يعرف بما أخبر الله به ورسوله ﷺ. فما أثبته الوحي آمنا به، وما سكت عنه الوحي سكتنا عنه، لأن الكلام في الغيب بغير علم ليس علما، وإنما هو ظن وتخمين.
والمؤسف أن المشكلة لا تقف عند من يتحدث، بل تمتد إلى من يستمع أيضا. فكثير من الناس أصبحوا ينظرون إلى هؤلاء على أنهم متخصصون في عالم الجن، وخبراء في تشخيص السحر والعين والمس، مع أن هذا “التخصص” لا أصل له في الشريعة، ولا في الطب، ولا في أي علم تجريبي. وإنما صنعته كثرة التكرار، وساعد على انتشاره ضعف الوعي الديني والعلمي، وحاجة الناس إلى من يقدم لهم أجوبة سهلة وسريعة عن قضايا معقدة.
ومع ذلك، فما يدعو إلى التفاؤل أن الوعي بهذه الظاهرة بدأ يتسع أيضا. فقد تواصل معي خلال السنوات الماضية عدد كبير من القراء والمشاهدين، يخبرونني أنهم أعادوا النظر في كثير من القناعات التي كانوا يظنونها من الدين، ثم اكتشفوا أنها اجتهادات بشرية أو ممارسات لا دليل عليها. وكانت تلك الرسائل، إلى جانب استمرار انتشار الظاهرة، من أهم الأسباب التي شجعتني على إعادة نشر هذا المحور في سلسلة من المقالات.
وأحب أن أوضح منذ البداية أنني لا أناقش الرقية التي ثبتت مشروعيتها في القرآن والسنة، ولا أشكك في أن القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين، وإنما أناقش ما أُلصق بالرقية من مفاهيم وممارسات حتى أصبحت عند كثير من الناس شيئا آخر غير الرقية التي عرفها الإسلام.
فالرقية في أصلها دعاء، وليست مهنة، ولا علما مستقلا، ولا تخصصا قائما بذاته. هي قراءة لكتاب الله، وذكر لله، ودعاء وتضرع إليه، مع يقين راسخ بأن الشفاء من الله وحده، وأن القرآن سبب من أسباب الشفاء، كما أن الدواء سبب آخر من أسبابه.
لكن هذا المفهوم البسيط تغير مع مرور الزمن، حتى أصبح كثير من الناس إذا سمعوا كلمة “الرقية”، لم يتبادر إلى ذهنه الدعاء والقرآن، وإنما الراقي، وجلسات العلاج، وتشخيص السحر والعين والمس، بل وربما تفسير كل مرض أو مشكلة نفسية أو أسرية أو اجتماعية على أنها أثر لقوة خفية.
وهنا بدأ الخلل.
ولا خلاف بين المسلمين في أن القرآن شفاء، فهذا نص القرآن الكريم، ولا يجوز لمسلم أن يشك في ذلك. لكن الإشكال يبدأ عندما تختزل علاقتنا بالقرآن في الجانب الاستشفائي وحده.
فأصبح بعض الناس لا يفتح المصحف إلا إذا مرض، ولا يحفظ من القرآن إلا ما يظنه متعلقا بالعين أو السحر أو المس، أو يبحث عما يسمى بآيات الشفاء، بينما تغيب عن حياته آيات التوحيد، والإيمان، والتفكر، والأخلاق، وتزكية النفس، وإصلاح الأسرة، وإقامة العدل، وكل الرسالة العظيمة التي جاء القرآن من أجلها.
وكأن القرآن تحول، في وعي بعض المسلمين، من كتاب هداية إلى كتاب علاج، ومن رسالة جاءت لتبني الإنسان إلى وسيلة لمعالجة أمراضه فقط.
وهذا في نظري ليس تعظيما للقرآن، بل اختزال لرسالته.
فالقرآن نزل أولا ليهدي الإنسان، ويخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويبني الإيمان في القلوب، ويزكي النفوس، ويقوم الأخلاق، ويقيم الحياة على أساس العبودية لله. وهذا أعظم أنواع الشفاء. أما شفاء الأبدان، فهو حق لا ننكره، لكنه يبقى جزءا من رسالة القرآن، وليس رسالته كلها.
ولهذا لم ير النبي ﷺ أي تعارض بين قراءة القرآن وبين التداوي، بل جمع بين الأمرين. كان يرقي، وكان يتداوى، وأمر أصحابه بالتداوي، مبينا أن الله ما أنزل داء إلا أنزل له دواء. فليس من التوكل ترك الأسباب، كما ليس من الإيمان أن نجعل الأسباب بديلا عن الله.
ومن هنا، فإن الرقية التي أؤمن بها هي الرقية التي جاء بها الإسلام: دعاء مشروع، وذكر لله، وقراءة لكتابه، مع الأخذ بالأسباب الطبية المشروعة. أما تحويلها إلى مهنة، أو وسيلة لتشخيص الأمراض، أو تفسير كل ما يعجز الإنسان عن فهمه، أو الادعاء بأن لبعض الناس قدرة خاصة على معرفة عالم الغيب، فذلك هو ما يحتاج إلى مراجعة علمية وشرعية هادئة.
وفي المقال القادم، سأناقش بإذن الله:
كيف تحولت الرقية إلى ظاهرة اجتماعية؟ ولماذا انتشرت بهذا الشكل؟