كيف تحولت الرقية إلى ظاهرة؟ ولماذا انتشرت بهذا الشكل؟ (الجزء الثاني)

سلسلة: الرقية في ميزان الشرع والعقل

في المقال السابق حاولت أن أبين أن الرقية، كما جاءت بها نصوص القرآن والسنة، ليست أكثر من دعاء مشروع، وذكر لله تعالى، وقراءة لكتابه، مع يقين راسخ بأن الشفاء من الله وحده، وأن الأخذ بالأسباب الطبية لا يتعارض مع التوكل، بل هو من تمامه.

لكن يبقى السؤال:

إذا كانت الرقية بهذا المفهوم البسيط، فكيف تحولت إلى ظاهرة اجتماعية واسعة، حتى أصبح البحث عن راقٍ من أكثر ما يشغل الناس؟

أقول هذا بعد تجربة تقارب ثلاثين عامًا في الإمامة والخطابة. وخلال هذه السنوات سألني الناس عن الصلاة والصيام والزكاة، وعن الأسرة والطلاق والميراث، وعن تربية الأبناء، وعن عشرات القضايا الدينية والاجتماعية.

لكنني لاحظت، خاصة خلال السنوات الأخيرة، أن السؤال الذي يتكرر علي أكثر من غيره لم يعد متعلقًا بالعبادات ولا بالمعاملات، وإنما بالرقية.

هل تمارس الرقية؟

فإذا أجبت بالنفي، جاء السؤال مباشرة:

وهل تعرف راقيًا تثق به؟

وأكتب هذه الكلمات وأنا أقضي عطلتي بالمغرب، وقبل يومين فقط اتصل بي شاب من بلجيكا، ولم يكن سؤاله عن فتوى، ولا عن مشكلة أسرية، وإنما كان السؤال نفسه: هل تمارس الرقية؟ وإن لم تكن تمارسها، فهل تعرف راقيًا؟

وحين يصبح هذا السؤال من أكثر الأسئلة تداولًا بين الناس، فإننا لا نكون أمام حالات فردية متفرقة، بل أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتوقف عندها، وأن نحاول فهم أسباب انتشارها.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن الأمر لا يقتصر على فئة معينة من الناس. فمن خلال ما عشته بنفسي، وما وقفت عليه خلال سنوات، رأيت أن الباحثين عن الرقية ينتمون إلى مختلف الأعمار والطبقات. فمنهم الشباب وكبار السن، والرجال والنساء، والأغنياء والفقراء، وأصحاب التعليم البسيط، كما رأيت بينهم جامعيين، ومهندسين، ومثقفين، وشخصيات معروفة في مجالات السياسة والتجارة والفن وغيرها.

كما أنها لم تعد مرتبطة بمدينة أو بلد معين، بل أصبحت منتشرة، بدرجات متفاوتة، في معظم المجتمعات الإسلامية، وفي المدن والقرى على السواء.

والأعجب من ذلك أن الرقية لم تعد تُطلب لعلاج ما يظنه الناس سحرًا أو عينًا أو مسًا فحسب، بل أصبحت تُطلب لكل شيء تقريبًا: لتأخر الزواج، وتعثر التجارة، والخلافات الأسرية، وتأخر الإنجاب، وضعف التحصيل الدراسي، بل وقفت على من يبحث عنها لحماية المواليد، أو الماشية، أو المحاصيل الزراعية، أو لدفع ما يسميه بعض الناس “النحس”، حتى أصبحت، في نظر كثيرين، تفسيرًا جاهزًا لكل ما يعجزون عن فهمه، وحلًا يُلجأ إليه عند أول أزمة.

فكيف وصلت الرقية إلى هذا الانتشار الواسع؟

أعتقد أن وراء ذلك أسبابًا متعددة، من أهمها:

أولًا: وصفها بأنها “رقية شرعية”.

لعل أول أسباب انتشارها أنها اقترنت بوصف يمنحها ثقة كبيرة في نفوس الناس، وهو أنها “رقية شرعية”.

فالإنسان الذي يقصد الراقي لا يشعر غالبًا أنه يلجأ إلى خرافة أو شعوذة، بل يعتقد أنه يهرب من الدجل إلى القرآن، ومن الكهانة إلى الشرع، وأنه يسلك طريقًا يرضي الله تعالى.

ويزداد هذا الشعور عندما يرى كثيرًا ممن يمارسون الرقية يحرصون على الظهور بمظهر المتدين الملتزم، ويكثرون من الاستشهاد بالقرآن والسنة، ويتحدثون عن محاربة السحرة والكهان، فينشأ لدى الناس شعور بالثقة والاطمئنان، ويظنون أنهم بين أيدٍ أمينة.

ومن هنا، اكتسبت الرقية قبولًا اجتماعيًا واسعًا، ربما لم تكن لتحققه لو قدمت نفسها بغير هذا الوصف.

ثانيًا: ضعف فقه الابتلاء، والبحث عن الحلول السريعة.

لقد علمنا القرآن أن الدنيا دار ابتلاء، وأن المرض، والفقر، وتأخر الزواج، وفقد الأحبة، وتعثر التجارة، كلها من سنن الحياة، يبتلي الله بها عباده، ليميز الصابر من الجزوع، والمؤمن من الغافل.

لكن كثيرًا من الناس لم يعودوا ينظرون إلى الابتلاء بهذه العين، بل أصبحوا يبحثون عن تفسير استثنائي لكل مصيبة، وعن حل سريع لكل معاناة.

فإذا تأخر الزواج، أو تعثرت التجارة، أو مرض الإنسان، لم يعد السؤال: ما الذي ينبغي أن أفعله؟ وما الأسباب التي يجب أن آخذ بها؟ وإنما أصبح السؤال: من الذي فعل بي هذا؟ هل هذا من الله أم “من الناس”؟

وهكذا تبدأ رحلة البحث عن راقٍ، قبل البحث عن الأسباب المنطقية والمعقولة التي جعلها الله جزءًا من نظام هذا الكون.

ثالثًا: النظرة الخاطئة إلى المرض النفسي.

ولا يزال المرض النفسي، في كثير من مجتمعاتنا، من الموضوعات التي يتحرج الناس من الحديث عنها. فإذا نصح أحدهم بمراجعة طبيب أو أخصائي نفسي، شعر وكأن في ذلك انتقاصًا من عقله أو كرامته.

ويضاف إلى ذلك أن الوصول إلى العلاج النفسي ليس دائمًا سهلًا؛ فقد يحتاج إلى مواعيد طويلة، أو تكاليف مادية، أو متابعة تستمر أشهرًا.

أما الراقي، فيراه البعض أقرب، وأيسر، وأسرع، وربما أقل كلفة.

ولهذا، أصبح كثير من الناس يطرقون باب الرقية، قبل أن يطرقوا باب الطبيب أو الأخصائي، مع أن الإسلام لم يجعل بين التداوي والرقية أي تعارض، بل جمع بينهما، وجعل الأخذ بالأسباب جزءًا من التوكل الصحيح.

رابعًا: ثقافة الضحية والبحث عن تفسير يريح النفس.

ومن الأسباب التي لا يقل أثرها عن غيرها أن كثيرًا من الناس يجدون راحة نفسية في التفسيرات التي تعفيهم من تحمل المسؤولية.

وأذكر أن أحد الأشخاص اتصل بي يومًا يبحث عن راقٍ، فلما سألته عن السبب، قال إن رجلًا ترك زوجته وأولاده، وذهب مع امرأة أخرى، وإن الأسرة تعتقد أن السبب هو أن تلك المرأة سحرته، ولذلك تبحث عمن يرقيه.

والذي استوقفني في هذه القصة ليس القصة نفسها، وإنما طريقة التفكير. فبدل أن يبدأ البحث عن الأسباب الواقعية، وأن يسأل الإنسان نفسه: ماذا فعلت؟ وأين أخطأت؟ وما الذي ينبغي إصلاحه؟ يصبح أول ما يخطر في البال هو التفسير الغيبي.

ولا شك أن الإنسان يميل بطبعه إلى التفسير الذي يخفف عنه الشعور بالذنب، أما مواجهة النفس، وتحمل المسؤولية، والاعتراف بالتقصير، فهي أمور أصعب، لكنها أقرب إلى منطق القرآن، وإلى السنن التي أقام الله عليها هذه الحياة.

ولهذا، فإن من الواجب أن نبحث أولًا عن الأسباب الظاهرة والمعقولة، وأن نستنفدها قبل أن ننشغل بأمور غيبية لا سبيل إلى الإحاطة بها.

خامسًا: وسائل التواصل الاجتماعي وصناعة التأثير.

ولا يمكن إغفال الدور الكبير الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار هذه الظاهرة.

فقد أصبح من السهل أن ينتشر مقطع قصير، أو شهادة مؤثرة، أو قصة يقال فيها إن فلانًا شفي، أو إن آخر كان يعاني منذ سنوات ثم انتهت معاناته بعد جلسة واحدة. ومثل هذه القصص تترك أثرًا بالغًا في النفوس، خاصة عند من يعيشون ظروفًا صعبة أو يبحثون عن بارقة أمل.

كما أن بعض الرقاة أحسنوا استثمار هذه الوسائل، فأصبح لهم حضور دائم، وتُنشر عنهم الحكايات، وتُروج لهم التجارب، بل إن بعض الناس يتطوعون للدعاية لهم بين الأقارب والأصدقاء، حتى أصبحت شهرة بعض الرقاة تنتقل من بلد إلى آخر، ومن قارة إلى أخرى، في زمن قياسي.

وهكذا اجتمعت قوة التأثير الديني، مع قوة الإعلام الحديث، فكان من الطبيعي أن تتسع دائرة هذه الظاهرة أكثر فأكثر.

سادسًا: الاعتقاد أن عجز الطب عن التشخيص دليل على وجود السحر أو المس.
ومن الأسباب التي ساهمت في انتشار الرقية أن بعض الناس يظنون أن الطبيب إذا لم يجد تفسيرًا لحالة معينة، فلا يبقى إلا تفسير واحد: السحر، أو العين، أو المس.
وقد سمعت هذا الكلام مرات كثيرة. يأتي أحدهم فيقول: ذهبت إلى الأطباء، وأجريت جميع الفحوصات، فقالوا إنني لا أعاني من شيء، إذن لا بد أن بي سحرًا أو مسًا.
وهذا استنتاج لا يصح.
فالطب، مهما بلغ من التقدم، يبقى علمًا بشريًا، يتطور مع الزمن، ويخطئ ويصيب. وكم من أمراض عجز الطب عن تشخيصها سنوات طويلة، ثم اكتشف أسبابها بعد ذلك. وقد يعجز طبيب عن تشخيص حالة، بينما ينجح طبيب آخر، أو يكشفها فحص لم يكن متاحًا من قبل.
ثم إن معاناة الإنسان لا تقتصر على الأمراض العضوية، فقد تكون نفسية، أو عصبية، أو اجتماعية، أو نتيجة ضغوط الحياة، وكلها قد تترك آثارًا حقيقية على الإنسان، دون أن يظهر ذلك في التحاليل المخبرية.
ولذلك، فإن عدم الوصول إلى تشخيص طبي لا يعني تلقائيًا أن السبب غيبي، كما أن نسبة كل ما نعجز عن تفسيره إلى السحر أو المس ليست من التفكير العلمي، ولا من المنهج الذي يدعو إليه الشرع.

ولا أزعم أن هذه هي جميع الأسباب، لكنها في نظري من أهم العوامل التي ساهمت في انتشار الرقية بهذا الشكل الواسع، حتى تحولت، في نظر كثير من الناس، من دعاء مشروع يقرؤه المسلم على نفسه وأهله، إلى ظاهرة اجتماعية، وإلى باب يفسر من خلاله كل ما يعجز الناس عن تفسيره.

ولعل أخطر ما في الأمر ليس انتشار الرقية في حد ذاتها، وإنما انتشار تصورات جديدة حولها، حتى أصبح كثير من الناس يظنون أن هناك فئة من البشر تمتلك قدرات خاصة، أو معرفة لا يملكها غيرها، وأن الوصول إلى الشفاء لا يكون إلا عن طريقها.

وهنا يبرز سؤال أراه من أهم أسئلة هذه السلسلة كلها:

إذا كانت الرقية دعاءً، وذكرًا لله، وقراءةً للقرآن، وهي أمور يستطيعها كل مسلم، فلماذا نحتاج إلى راقٍ أصلًا؟ وما الذي يملكه الراقي ولا يملكه غيره؟ وهل جعل الإسلام بين العبد وربه واسطة في هذا الباب؟

هذا ما سأناقشه في المقال القادم، بإذن الله تعالى.

0 0 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
0 0 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Scroll to Top
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x