سلسلة: الرقية في ميزان الشرع والعقل
ختمت المقال السابق بسؤال أراه من أهم الأسئلة في موضوع الرقية:
هل يملك الراقي حق تشخيص السحر والعين والمس؟ وعلى أي أساس يقول للإنسان: أنت مسحور، أو بك عين، أو بك مس؟
وهنا لا بد أولًا من التفريق بين أمرين كثيرًا ما يقع الخلط بينهما: الرقية والتشخيص.
أن تقرأ على إنسان شيئًا من القرآن، وأن تدعو الله له بالشفاء، فهذه رقية.
أما أن تقرأ عليه، ثم تقول له: أنت مصاب بالسحر، أو بك مس، أو أصابتك عين، وربما تحدد له نوع السحر وتفاصيله، فهذا أمر آخر تمامًا.
هذا اسمه تشخيص.
والسؤال هو: من أين جاء هذا التشخيص؟
وشخصيًا، حسب ما اطلعت عليه، لم أقف على حديث صحيح، ولا على قصة ثابتة عن رسول الله ﷺ أو الصحابة رضي الله عنهم، ولا على شيء معروف من هدي السلف الصالح، أنهم كانوا يستخدمون الرقية وسيلة لتشخيص الناس، فيقولون لهذا: أنت مسحور، ولهذا: بك عين، ولآخر: بك مس، بناء على ما ظهر عليه أثناء القراءة.
فإذا كانت الرقية فعلًا وسيلة لتشخيص السحر والعين والمس، فأين فعل النبي ﷺ ذلك؟ وأين فعله الصحابة رضي الله عنهم؟ وعلى أي أساس وُضعت هذه القواعد التشخيصية التي يعمل بها بعض الرقاة اليوم؟
ولهذا أرى أن اتخاذ الرقية وسيلة للتشخيص بهذه الصورة مخالفة شرعية، بل أراه من الأمور المحدثة في باب الرقية، التي لا أعرف لها أصلًا في هدي النبي ﷺ ولا أصحابه.
فالذي يذهب إلى الراقي ويطلب منه أن يشخص حالته مخطئ، والراقي الذي يقبل أن يقوم بهذا التشخيص مخطئ كذلك.
لكن كيف يتم هذا التشخيص أصلًا؟
إذا تأملت ما يفعله بعض الرقاة، وجدت أن جزءًا كبيرًا منه يقوم على ما يسمونه «ردات الفعل» أثناء الرقية.
يقرأ الراقي، ثم يراقب المريض: هل ارتجف؟ هل بكى؟ هل تثاءب؟ هل تقيأ؟ هل تحركت جفناه؟ هل شعر بألم أو تنميل أو حرارة أو برودة؟
ثم يبدأ التشخيص.
وهنا يسبق التشخيص سؤال آخر: من أين جاءت أصلًا فكرة البحث عن ردات الفعل أثناء الرقية وانتظارها؟
لم أطلع فيما قرأت على أن النبي ﷺ أو الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقرؤون على المريض ثم يترقبون حركات جسده، أو يسألونه عما شعر به أثناء القراءة، ليبنوا على ذلك حكمًا على حالته.
الرقية في أصلها قراءة للقرآن ودعاء وذكر، وكفى.
أما أن تتحول إلى ما يشبه الاختبار، يقرأ الراقي ويراقب المريض منتظرًا ظهور علامات معينة، فهذا أمر يحتاج هو نفسه إلى دليل.
والأخطر من انتظار ردات الفعل هو ما يتم استنتاجه منها.
فقد أصبحت عند بعض الرقاة لكل حركة دلالة، ولكل عرض تفسير: تحرك الجفون يعني كذا، والقيء دليل على كذا، والألم في موضع معين يعني نوعًا معينًا من الإصابة، وهكذا حتى تكوّن ما يشبه قاموسًا كاملًا: هذا سحر، وهذا مس، وهذه عين، بل وهذه أنواع مختلفة من السحر والمس.
لكن من أين جاءت هذه القواعد؟
أين الدليل الشرعي الذي يقول إن حركة معينة تدل على السحر أو المس أو العين؟ وأين الدليل العلمي الذي يثبت هذه العلاقات؟
لا هذا موجود ولا ذاك.
إنها استنتاجات تكررت حتى تحولت في أذهان البعض إلى ما يشبه الحقائق، ثم أصبح الناس يتناقلونها ويتعلمونها ويشخصون بها الآخرين، مع أنها لا تقوم على دليل شرعي ولا علمي.
ولهذا أقول للمريض: إذا قرأ عليك شخص القرآن، ثم أخبرك جازمًا بأن بك سحرًا أو مسًا أو عينًا بناء على ما ظهر عليك أثناء الرقية، فلا تتعامل مع كلامه على أنه حقيقة.
وكلما دخل معك في التفاصيل، فزادك حديثًا عن نوع السحر وطبيعته وأسبابه، فاسأله سؤالًا واحدًا:
من أين عرفت هذا؟
وخطورة الأمر أن المريض يكون في كثير من الأحيان في حالة ضعف وحاجة، وقد يتعلق بأي تفسير يقدم له، خصوصًا إذا صدر عن شخص يعتقد أنه صاحب خبرة في هذا المجال.
فكلمة واحدة قد تغير حياة إنسان.
أعرف أعدادًا من الناس كانوا قبل الذهاب إلى الراقي يعيشون حياتهم بصورة عادية. نعم، كانت عندهم بعض الأعراض والمتاعب، لكن النفس والجسد ليسا دائمًا في حال واحدة، وهذه طبيعة الإنسان والحياة.
ثم ذهب الواحد منهم إلى راقٍ، فخرج من عنده بتشخيص:
أنت مسحور.
أو:
بك مس.
ومنذ تلك اللحظة تغير كل شيء.
أصبح يراقب نفسه، ويربط كل ما يحدث له بالسحر أو المس، ويعيد تفسير ماضيه وحاضره على ضوء ذلك التشخيص. ثم يبدأ الخوف والقلق والشك، وقد يصل الأمر إلى الشك في الأقارب والأصدقاء، وتتأثر علاقته بأسرته وعمله وصحته ونظرته إلى الحياة.
وأعرف حالات وصلت إلى الاكتئاب وتدهورت أحوال أصحابها بعد أن صدقوا هذا النوع من التشخيص.
لقد دخل بعضهم عند الراقي وهو يعاني من بعض الأعراض، وخرج من عنده بمشكلة أكبر: خرج مقتنعًا بأنه مسحور أو ممسوس.
وأحيانًا تكون العواقب أشد وأقسى.
بعد أن نشرت بعض المقالات والفيديوهات حول الرقية، تواصل معي زوجان من مدينة أنتويرب في بلجيكا، ورويا لي قصة مؤلمة.
كان الزوج يعاني ألمًا والتهابًا في أنفه، فذهب إلى الطبيب وأجريت له فحوصات في المستشفى. وقبل أن تظهر له نتائج تلك الفحوصات، أقنعه بعض الناس بأن ما يعاني منه لا علاقة له بالطب، وأنه يحتاج إلى راقٍ، ودلوه على راقٍ في مدينة طنجة بالمغرب.
فسافر الرجل من بلجيكا إلى طنجة.
وبحسب ما رواه لي هو وزوجته، أخبره الراقي أن حالته تحتاج إلى جلسات متعددة، فبدأ يتردد عليه، جلسة بعد جلسة، كل أسبوعين تقريبًا، واستمر الأمر أشهرًا طويلة دون أن يتحسن.
وفي النهاية قرر العودة إلى بلجيكا.
وعندما عاد إلى بيته وجد رسائل من المستشفى تطلب منه الحضور. فلما ذهب إليهم سألوه أين كان ولماذا تأخر.
كانت نتائج الفحوصات قد أظهرت أنه مصاب بسرطان في الأنف.
وبحسب ما رواه الزوجان، أخبره الأطباء أنه لو عاد في الوقت المناسب لكان بالإمكان علاجه في مرحلة أبكر، لكن المرض تطور خلال فترة غيابه، وانتهى الأمر، مع الأسف، ببتر أنفه.
وقد تواصلا معي آنذاك بحثًا عن مساعدة من أجل اتخاذ إجراء قانوني ضد ذلك الراقي.
واللافت أيضًا، بحسب ما أخبراني، أن حانوت الرقية كان موجودًا في بناية تابعة لأحد المساجد في طنجة. وهذه الصورة في حد ذاتها تستحق التأمل؛ لأن ارتباط مثل هذا النشاط بالمسجد قد يمنحه في أعين الناس قدرًا أكبر من الثقة والقبول، وكأنه نشاط يحظى بتزكية دينية، فيطمئن إليه المريض أكثر.
وأنا هنا أنقل القصة كما رواها لي الزوجان، والعهدة عليهما في تفاصيلها.
لكن هذه القصة تكشف عن خطر لا ينبغي الاستهانة به.
قد تبدأ المأساة بجملة بسيطة:
«ما بك ليس مرضًا عضويًا، أنت تحتاج إلى رقية.»
ثم يتأخر الإنسان عن الطبيب، أو يهمل الفحوصات، أو يترك العلاج، وهو يطارد تشخيصًا لا يقوم على دليل، وقد يدفع ثمن ذلك من صحته، وربما من حياته.
ولا تقف آثار هذه التشخيصات عند صحة الإنسان وحدها، بل قد تمتد إلى أسرته وعلاقاته.
وأعرف حالة أخرى تكلم فيها المريض أثناء الرقية، وقال إنه مسحور، وإن التي سحرته هي زوجة عمه.
وكان أفراد الأسرة مجتمعين يسمعون هذا الكلام، واعتقدوا أن المتكلم هو الجني، وأن ما يقوله حقيقة، فتحول الكلام إلى اتهام لزوجة العم بالسحر.
ثم دخل الشك وسوء الظن بين أفراد الأسرة، ووقعت الخصومة وقطيعة الرحم، واستمرت آثارها سنوات.
تأمل كيف بدأت المسألة:
مريض يتكلم أثناء الرقية، فيقال إن الذي يتكلم هو الجني، ثم يؤخذ كلامه على أنه حقيقة، ثم يُتهم إنسان بالسحر، ثم تتفكك العلاقات وتقطع الأرحام.
وكل ذلك بلا بينة ولا دليل.
وهنا تكمن خطورة أن نعطي للراقي سلطة لا يملكها أصلًا.
اقرأ القرآن، وادع الله، وارق نفسك أو غيرك بما ثبت، لكن لا تحول الرقية إلى وسيلة لتشخيص الأمراض، ولا إلى أداة للكشف عما خفي، ولا إلى محكمة تصدر من خلالها الأحكام على الناس.
فالرقية قراءة ودعاء، وليست تشخيصًا.
ويبقى سؤال مهم قد يطرحه كثير من القراء:
إذا كانت ردات الفعل أثناء الرقية لا تثبت أن الإنسان مسحور أو ممسوس، فلماذا تحدث إذن؟
لماذا يرتجف بعض الناس، أو يبكون، أو يصرخون؟ ولماذا يشعر آخرون بألم أو تنميل أو ضيق؟ ولماذا قد يتكلم بعض المرضى أثناء الرقية بكلام غريب؟
هل كل ذلك تمثيل؟
أم أن لهذه الظواهر تفسيرًا آخر؟
هذا ما سأحاول مناقشته في المقال القادم بإذن الله:
لماذا تحدث ردات الفعل أثناء الرقية؟