سلسلة: الرقية في ميزان الشرع والعقل
من أكثر الأمور التي يستدل بها المقتنعون بالمس على دخول الجن في جسد الإنسان ما يظهر على بعض الناس أثناء الرقية من ردود فعل مختلفة.
يبدأ الراقي في قراءة القرآن، فإذا بالمريض يرتعش، أو يبكي، أو يصرخ، أو يتثاءب، أو يشعر بحرارة أو برودة أو تنميل، وقد تتحرك بعض أطرافه أو يتغير صوته، وربما يصل الأمر أحيانًا إلى الإغماء.
وأمام هذه المشاهد يكون السؤال حاضرًا بقوة:
إذا لم يكن هذا مسًّا، فما الذي يحدث إذن؟
وقد يقول لك أحدهم:
يمكنك أن تناقشني في النصوص والأدلة كما تشاء، لكنني رأيت بعيني شخصًا كان طبيعيًا، وما إن بدأ الراقي يقرأ عليه القرآن حتى أخذ يصرخ ويرتعش ويتخبط!
وأنا لا أنكر ما رأى.
إذا ارتعش الشخص فقد ارتعش، وإذا صرخ فقد صرخ، وإذا أغمي عليه فقد أغمي عليه.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين وصف ما حدث وبين تفسير سبب حدوثه.
أن تقول: «ارتعش الرجل أثناء قراءة القرآن» فهذه مشاهدة.
أما أن تقول: «ارتعش لأن الجني الذي يسكن جسده بدأ يتألم من القرآن» فهذا تفسير يحتاج إلى دليل.
ومن هنا أبدأ.
هل يحترق الجني بالقرآن؟
التفسير الشائع لكثير من ردود الفعل التي تظهر أثناء الرقية يقوم على اعتقاد منتشر في عالم الرقية، وهو أن قراءة القرآن تؤذي الجني الموجود داخل جسد الإنسان، بل قد تحرقه أو تقتله.
فإذا صرخ المريض قيل: الجني يتألم.
وإذا اشتد صراخه: بدأ يحترق.
وإذا اضطرب جسده: الجني يقاوم.
وإذا هدأ بعد ذلك: ضعف العارض أو خرج.
لكن قبل أن نبني على هذا الاعتقاد كل هذه التفسيرات، ينبغي أن نسأل:
ما الدليل أصلًا على أن سماع القرآن يحرق الجن أو يؤذيهم؟
فالجن، كما هو معلوم، مخاطبون بالقرآن كما أن الإنس مخاطبون به، وفيهم المؤمن والكافر والصالح وغير ذلك.
وقد أخبرنا الله تعالى عنهم:
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾.
وأخبرنا سبحانه عن نفر منهم استمعوا إلى النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن، ثم رجعوا إلى قومهم منذرين:
﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾.
فالذي أثبته القرآن صراحة هو أن الجن يسمعون القرآن، ويفهمونه، ويهتدون به، ويدعون غيرهم إلى الإيمان به.
فالقرآن كتاب هداية للإنس والجن، وحجة على المؤمن والكافر منهم.
أما الانتقال من هذه الحقيقة إلى القول بأن مجرد سماع القرآن يحرق الجني الكافر أو يعذبه أو يقتله، فهذه دعوى أخرى تحتاج إلى دليل مستقل.
ولا يكفي أن نقول إن القرآن عظيم، أو إنه شفاء ورحمة، لنثبت بذلك دعوى لم يدل عليها النص.
فعظمة القرآن ثابتة، وكونه هداية وشفاء ورحمة ثابت، لكن السؤال هنا محدد:
هل ثبت أن مجرد سماع القرآن يحرق الجن أو يعذبهم؟
وحسب ما وقفت عليه، لا أعرف نصًا صحيحًا صريحًا من القرآن أو السنة يقول بذلك.
القرآن نزل لهداية الجن لا لحرقهم
إذا كان الجن مخاطبين بالقرآن ومطالبين بالإيمان به، فالأصل أن يسمعوه ويفهموا حجته، ثم يكون منهم المؤمن والكافر، كما هو الشأن في الإنس.
وقد قص علينا القرآن نفسه استماع الجن إليه، ولم يصور لنا المشهد على أنه مشهد تعذيب أو احتراق، وإنما مشهد استماع وتأثر وهداية ودعوة.
ولذلك فإنني لا أرى أن تعظيم القرآن يكون بإضافة خصائص إليه لم يثبتها الله ولا رسوله ﷺ.
فالقرآن أعظم من أن يحتاج منا إلى أن ننسب إليه ما لم يثبت عنه.
ولا ينبغي أن نخلط بين أثر القرآن الإيماني والروحي والهداياتي وبين تصورات نشأت داخل بعض ممارسات الرقية، ثم تحولت مع كثرة التكرار إلى حقائق مسلَّم بها عند كثير من الناس.
ولكننا نرى ردود الفعل بأعيننا!
قد يقول قائل:
حسنًا، لنفترض أنه لا يوجد نص صريح يقول إن القرآن يحرق الجن، فكيف تفسر ما نشاهده؟
كيف تفسر أن الراقي يبدأ القراءة فيصرخ المريض أو يرتعش أو يسقط؟
هذا سؤال مشروع.
لكن هناك ملاحظة مهمة:
ردود الفعل التي يقال إنها دليل على تأذي الجن بالقرآن ليست خاصة بالرقية بالقرآن أصلًا.
ففي ثقافات وممارسات أخرى تظهر على بعض الأشخاص ردود فعل شديدة الشبه بما نشاهده في جلسات الرقية.
في المغرب مثلًا نجد في بعض الممارسات المرتبطة بكناوة وعيساوة أشخاصًا يدخلون في حالات من الاضطراب والحركة والسقوط عند سماع إيقاعات وآلات معينة، وقد يصاحب ذلك صراخ أو حركات غير معتادة.
وفي بعض الطقوس الدينية عند غير المسلمين نجد أيضًا من يدعي إخراج الأرواح أو الشياطين، وتظهر خلالها حالات من الصراخ والبكاء والتخبط، ثم تنتهي الجلسة بإعلان خروج «الشيطان».
وقد ذكرت في كتابي مثالًا شاهدته لقس قبطي كان يقوم بما يعتبره «إخراجًا للشياطين» من امرأة، مستخدمًا الصليب وعبارات دينية مسيحية، بينما كانت المرأة تصرخ وتبكي وتظهر عليها ردود فعل تشبه إلى حد بعيد ما يعرضه بعض الرقاة بوصفه دليلًا على تأذي الجن بالقرآن.
وهنا يصبح السؤال ضروريًا:
إذا كانت ردة الفعل نفسها تظهر مع القرآن، وتظهر عند آخرين مع الصليب، وقد تظهر في سياقات أخرى مع الإيقاع والموسيقى والطقوس المختلفة، فهل يصح أن نجعل مجرد ظهورها دليلًا على أن القرآن يحرق جنيًا موجودًا داخل الجسد؟
ولا أقارن هنا، بطبيعة الحال، بين القرآن وهذه الممارسات من الناحية الدينية؛ فالقرآن عند المسلم كلام الله، ولا مجال للمقارنة بينه وبين غيره.
إنما الحديث عن الاستدلال بردة الفعل.
فإذا كانت الظاهرة الجسدية نفسها يمكن أن تظهر أمام مؤثرات مختلفة تمامًا، فلا يمكن أن تكون ردة الفعل وحدها برهانًا على التفسير الذي أعطيناه لها.
فما التفسير إذن؟
إذا لم يكن صحيحًا أن نقول كلما ارتعش شخص إن الجني تحرك، وكلما صرخ إن الجني تألم، وكلما سقط إن الجني صُرع، فما التفسيرات الأخرى الممكنة؟
في الحقيقة، ليست هناك إجابة واحدة تنطبق على جميع الحالات.
فالناس مختلفون، والحالات مختلفة، وما يبدو متشابهًا في الظاهر قد تكون أسبابه مختلفة تمامًا.
ومن الأخطاء التي وقعت فيها بعض ممارسات الرقية أنها جمعت عددًا كبيرًا من الظواهر المختلفة تحت تفسير واحد:
الجن.
بينما يحتاج الأمر إلى النظر في كل حالة على حدة.
وقد تناولت في كتابي هذه المسألة بصورة أوسع، وناقشت عددًا من الاحتمالات والتفسيرات، ولا أريد أن أعيد الكتاب كله في هذه السلسلة، وإنما سأقف عند بعضها مما يساعدنا على فهم الظاهرة.
وأبدأ بأحد الاحتمالات التي قد لا يحب البعض سماعها:
التمثيل والاصطناع.
عندما تكون ردة الفعل تمثيلًا
نعم، قد تكون بعض الحالات التي نراها أثناء الرقية تمثيلًا واصطناعًا متعمدًا.
وأؤكد منذ البداية:
بعض الحالات، وليس كلها.
فليس من العدل أن ننتقل من خطأ تفسير كل شيء بالجن إلى خطأ آخر فنفسر كل شيء بالكذب والتمثيل.
هناك أشخاص يعانون فعلًا، وهناك ردود فعل حقيقية، وهناك حالات أخرى لها تفسيرات مختلفة سنتحدث عنها.
لكن ذلك لا ينفي أن التمثيل احتمال موجود، وقد وقفت بنفسي على حالات من هذا النوع، كما نقل إليَّ الثقات غيرها.
ومن القصص التي نقلها إليَّ أحد الرقاة ممن أعرفهم وأثق بصدقهم قصة رجل جاءه بزوجته، مقتنعًا بأنها تعاني منذ سنوات طويلة مما يسمى «الجن العاشق»، وأن هذا الجني يمنعها من معاشرة زوجها.
ولم تكن المشكلة جديدة.
فقد استمرت قرابة عشرين سنة، وتنقل الزوج خلالها بزوجته بين عدد كبير من الرقاة بحثًا عن علاج.
وأثناء حديث الراقي معها جلس الزوج في مكان يراهما منه حتى لا تكون هناك خلوة محرمة، لكنه كان بعيدًا بما يكفي حتى لا يسمع تفاصيل الحديث، حفاظًا على خصوصية المرأة.
ومع استمرار الحديث، اطمأنت المرأة إلى الراقي ولمست فيه الصدق، فقررت أن تقول له الحقيقة.
قالت له، بما معناه:
لا تتعب نفسك. ليس بي مس ولا جن عاشق.
ثم أخبرته أنها تزوجت هذا الرجل وهي لا تحبه، وأنها وجدت نفسها بعد ذلك مرتبطة به وبأولادها منه، لكنها لم تكن ترغب في معاشرته.
وكان من الصعب عليها أن تقول له مباشرة إنها لا تحبه ولا ترغب في الاقتراب منه؛ لأن لذلك تبعاته على الزوج وعلى حياتهما الأسرية.
فوجدت مخرجًا آخر:
الجن العاشق.
فإذا رفضت معاشرة زوجها لأنها لا تريده، فقد يغضب ويتأذى ويرى في ذلك رفضًا له.
أما إذا كان الذي يمنعها «جنيًا عاشقًا» يسيطر عليها ويؤذيها كلما اقترب منها زوجها، فإنها تصبح في نظره ضحية مغلوبة على أمرها.
وبدل أن يغضب منها، يتعاطف معها.
وبدل أن يحملها المسؤولية، يبحث لها عن العلاج.
وهكذا ظل الرجل سنوات طويلة يتنقل بها بين الرقاة، وهو مقتنع بأنه يحارب جنيًا يمنعه من زوجته، بينما كانت الحقيقة مختلفة تمامًا.
هذه القصة وغيرها تجعل التمثيل والاصطناع احتمالًا لا يجوز إسقاطه من البداية.
فالإنسان يستطيع أن يصرخ، وأن يرتعش، وأن يتظاهر بالإغماء، وأن يقول كلامًا ثم ينسبه إلى «الجني»، وقد يفعل ذلك لتحقيق غاية ما أو للهروب من وضع لا يستطيع مواجهته مباشرة.
لكن، ومرة أخرى، هذا لا يعني أن كل من ظهرت عليه ردة فعل أثناء الرقية يمثل.
فلو قلنا ذلك لوقعنا في الخطأ نفسه الذي ننتقده.
أن يقول أحدهم:
كل من ارتعش ففيه جن.
ثم نرد عليه بقولنا:
كل من ارتعش فهو يمثل.
كلاهما تعميم لا دليل عليه.
وماذا عن الذي لا يمثل؟
هنا نصل إلى السؤال الأصعب والأهم.
لنفترض أن الشخص صادق تمامًا.
لا يمثل، ولا يريد خداع الراقي، ولا يبحث عن مصلحة.
بل دخل جلسة الرقية وهو يريد الشفاء، ثم بمجرد أن بدأت القراءة شعر فعلًا بتنميل في جسده، أو بدأ قلبه يخفق، أو أخذ يتثاءب أو يبكي، أو ارتعشت يده، أو شعر بحرارة أو ضيق.
وقد تكون ردة فعله قوية جدًا.
هل نقول له: أنت كاذب؟
قطعًا لا.
ولكن هل صدقه فيما شعر به يعني بالضرورة أن تفسيره لما حدث صحيح؟
أيضًا لا.
وهنا نصل إلى عامل آخر مهم جدًا في فهم ردود الفعل أثناء الرقية:
الاعتقاد المسبق، والتوقع، والإيحاء.
كيف يمكن لإنسان لا يمثل ولا يكذب أن تظهر عليه أعراض حقيقية بسبب ما يتوقعه ويعتقده؟
وكيف يمكن لكتاب قرأه، أو مقطع شاهده، أو كلام سمعه من راقٍ، أن يؤثر في استجابة جسده أثناء الرقية؟
ولماذا قد يدخل شخص جلسة الرقية وهو لا يشعر بشيء، ثم يخرج منها مقتنعًا بأن ما ظهر عليه دليل قاطع على وجود المس؟
هذا ما سأقف عنده، إن شاء الله، في الجزء الثاني.
ولمن أراد التوسع في الموضوع، فقد ناقشت في كتابي بتفصيل أكبر مسألة المس، وردود الفعل، والتفسيرات المحتملة لعدد من الحالات التي تنسب عادة إلى الجن، والكتاب متاح للقراءة على موقعي.