سلسلة: الرقية في ميزان الشرع والعقل
توقفت في الجزء السابق عند بعض ردود الفعل التي تظهر على بعض الناس أثناء الرقية، من ارتعاش وصراخ وتنميل وشعور بالحرارة أو البرودة وغيرها، وحاولت أن أبين أن هذه الأعراض، وإن كانت حقيقية في كثير من الأحيان، لا تعني بالضرورة أن التفسير الذي أُعطي لها صحيح.
وتحدثت عن أثر الاعتقاد المسبق والتوقع والإيحاء، وكيف يمكن للإنسان أن يشعر بأعراض حقيقية، بل وقد تظهر على جسده ردود فعل حقيقية، دون أن يكون كاذبًا أو ممثلًا.
وهذه نقطة أكررها هنا لأنها مهمة فيما سيأتي:
ليس كل ما يحدث أثناء الرقية وهمًا أو تمثيلًا، ولكن وقوع الشيء شيء، وتفسير سبب وقوعه شيء آخر.
لكن هناك ظاهرة أخرى يستدل بها البعض، وقد تبدو لأول وهلة أقوى من مجرد الارتعاش أو الصراخ والتنميل.
ماذا لو تغير صوت الشخص أثناء الرقية؟
وماذا لو بدأ يتكلم بطريقة غريبة؟
بل ماذا لو قيل إنه بدأ يتحدث بلغة لم يسبق له أن تعلمها؟
هنا قد يقول قائل:
يمكنك أن تفسر لي الارتعاش بالإيحاء، والتنميل بالتوقع، وبعض ردود الفعل بالخوف أو غير ذلك، لكن كيف تفسر إنسانًا لا يعرف لغة معينة، ثم يبدأ أثناء الرقية في التحدث بها؟
أليس هذا دليلًا على أن الذي يتحدث ليس هو؟
السؤال مشروع.
وهو يستحق أن نقف عنده بهدوء.
وأنا هنا أيضًا لا أريد أن أنكر ما شاهده الناس.
إذا تغير صوت الشخص، فقد تغير.
وإذا نطق بكلمات لم يفهمها الحاضرون، فقد نطق بها.
لكننا نعود إلى القاعدة نفسها التي صاحبتنا في المقال السابق:
أن نصف ما حدث شيء، وأن نحدد سبب حدوثه شيء آخر.
فهل يكفي تغير الصوت أو الكلام بكلمات غريبة لإثبات أن المتحدث جني يسكن جسد الإنسان؟
عندما يتغير الصوت
لنبدأ بأبسط هذه الظواهر: تغير نبرة الصوت.
قد يتغير صوت المرأة فيصبح أخشن، أو يتغير صوت الرجل فيصبح أرق، أو يتكلم الشخص بنبرة مختلفة عن نبرته المعتادة.
وهذا في حد ذاته ليس أمرًا خارقًا.
فنحن نستطيع في حياتنا العادية أن نغير أصواتنا إلى حد ما. نفعل ذلك ونحن نقلد الآخرين، ونفعله أثناء المزاح مع الأطفال، وقد يقلد الرجل صوت امرأة أو المرأة صوت رجل، وقد يقلد الإنسان أصواتًا ولهجات مختلفة.
ولذلك كنت أتساءل منذ سنوات وأنا أمارس الرقية:
إذا كان تغير الصوت سببه أن الذي يتحدث هو الجني، فلماذا يكون التغير في الغالب من صوت أنثوي إلى صوت أقرب إلى الذكوري، أو العكس؟
لماذا لا يتغير صوت رجل إلى صوت رجل آخر مختلف تمامًا؟
ولماذا لا يتغير صوت امرأة إلى صوت امرأة أخرى مختلفة تمامًا؟
إن تغير النبرة لا يخبرنا بهوية المتكلم.
وما يزيد الأمر تعقيدًا أن اقتناع الشخص نفسه بما يحدث له قد يؤثر في الطريقة التي يتكلم بها. فالمرأة التي اقتنعت بأن الذي يسكنها «جني ذكر» قد يصبح صوتها أثناء الحالة أخشن، والرجل الذي اقتنع بأن الذي يسكنه «جنية» قد يصبح صوته أرق.
وقد لا يكون ذلك تمثيلًا متعمدًا أصلًا.
وهذا ينسجم مع ما تحدثت عنه في المقال السابق من أثر الاعتقاد والتوقع والإيحاء في ظهور بعض ردود الفعل.
لكنه تكلم بلغة لا يعرفها!
هنا نصل إلى ما يبدو أقوى.
فقد يقول الراقي أو أهل المريض:
تغير الصوت وحده ربما لا يكون دليلًا، لكن كيف تفسر أن إنسانًا يتحدث أثناء الرقية بلغة لم يتعلمها؟
وهنا تصبح الحجة عند البعض أقوى؛ لأننا لم نعد أمام إحساس بالحرارة أو البرودة يمكن أن يقال إن له تفسيرًا نفسيًا أو جسديًا، وإنما أمام كلام يسمعه الناس بآذانهم.
لكن حتى هنا ينبغي ألا نستعجل.
فقد عُرفت ظاهرة الكلام بلغة غريبة في كتابات مختلفة بمصطلح Xenoglossia، واستُدل بها أحيانًا في سياقات دينية وروحية مختلفة، وليس عند المسلمين وحدهم.
لكن قبل أن نبحث عن تفسير خارق للظاهرة، هناك سؤال أبسط بكثير:
هل تأكدنا أصلًا أنه يتحدث لغة؟
ليس كل كلام لا نفهمه لغة أجنبية.
قد ينطق الإنسان بسلسلة من الأصوات والمقاطع والكلمات التي تبدو لمن يسمعها كأنها لغة، بينما لا تكون في الحقيقة لغة طبيعية لها مفرداتها وقواعدها.
وهناك، في سياقات أخرى، ظاهرة معروفة تسمى Glossolalia، يصدر فيها الإنسان كلامًا يشبه اللغة في إيقاعه وأصواته، دون أن يعني ذلك أنه يتحدث لغة أجنبية حقيقية.
وهذه الظاهرة ليست خاصة بالرقية ولا بالمسلمين، بل عُرفت في سياقات دينية وثقافية أخرى.
ومن هنا ينبغي أن نتوقف قليلًا أمام عبارة نسمعها كثيرًا:
«بدأ يتحدث بالعبرية».
أو:
«تكلم بالسريانية».
أو:
«الجني تحدث بالإنجليزية».
من الذي قرر ذلك؟
هل كان بين الحاضرين شخص يتقن تلك اللغة فعلًا؟
وهل استمع إلى كلام كامل مترابط وفهمه؟
أم أن الجميع لم يفهموا شيئًا، ثم قال أحدهم: يبدو أنها لغة كذا، فتحولت مع تكرار القصة إلى:
لقد تكلم بلغة كذا!
تجربة علمتني أن أكون حذرًا
وأذكر هنا تجربة شخصية قديمة لا علاقة لها بالرقية، لكنها علمتني شيئًا مهمًا في هذا الباب.
بعد قدومي إلى هولندا بأيام قليلة سنة 1998، احتجت إلى الذهاب إلى الطبيب.
ولأنني لم أكن أعرف من اللغة الهولندية كلمة واحدة، احتجت إلى شخص يترجم بيني وبين الطبيب.
فسألت أحد رواد المسجد الذي كنت فيه، فقام أحد الشيوخ، جزاه الله خيرًا، بالمهمة، وذهب معي إلى الطبيب.
كنت أتكلم، وهو «يترجم» كلامي إلى الهولندية.
وكان الطبيب يجيبه، ثم ينقل إليَّ ما قال.
خرجت من الموعد وأنا مقتنع بأن الشيخ يتقن الهولندية.
كيف لا؟
لقد سمعته يتحدث بها أمام الطبيب، والطبيب يجيبه!
مرت الأشهر، وتعلمت شيئًا من الهولندية، ثم وجدت نفسي يومًا أرافق الشيخ نفسه إلى موعد يحتاج فيه إلى مترجم.
وهناك اكتشفت المفاجأة:
الشيخ لا يتحدث الهولندية أصلًا إلا بكلمات قليلة، وبعض الكلمات التي كان يستعملها لم يكن ينطقها نطقًا صحيحًا.
فلماذا كنت مقتنعًا قبل ذلك بأنه يتحدث الهولندية بطلاقة؟
لسبب بسيط:
لأنني أنا لم أكن أعرف الهولندية.
ولو حكيت القصة يومها لغيري لقلت له بكل ثقة: كان الشيخ يتحدث مع الطبيب بالهولندية.
ولم أكن أكذب، وإنما كنت أصف ما ظننته صحيحًا.
وهذا بالضبط ما ينبغي أن نتذكره عندما يخبرنا أحدهم أن شخصًا أثناء الرقية «تكلم بلغة أجنبية».
إذا كنت أنا لا أعرف اللغة، فكيف عرفت أنه يتحدثها؟
وحتى لو كانت لغة حقيقية؟
لنفترض أننا تجاوزنا هذه المرحلة.
وأحضرنا شخصًا متخصصًا في اللغة، فقال لنا:
نعم، الكلمات التي ينطق بها هذا الشخص كلمات حقيقية من هذه اللغة.
هل انتهى الأمر؟
ليس بعد.
ثم هناك سؤال آخر:
ماذا نقصد أصلًا بقولنا إنه «تكلم» بتلك اللغة؟
فمعرفة كلمات من لغة شيء، والتحدث بها بطلاقة شيء آخر.
قد يعرف الإنسان عشرات الكلمات من لغة لا يستطيع أن يجري بها محادثة واحدة.
بل قد تكون في ذاكرته كلمات سمعها في طفولته، أو من شخص عاش معه، أو من التلفاز، أو في سفر، أو في المسجد أو الشارع، ثم نسي أصلًا متى وأين سمعها.
وهنا تدخل الذاكرة في الموضوع.
فالإنسان لا يتذكر دائمًا مصدر كل معلومة مخزنة في ذاكرته.
وقد يسترجع معلومة قديمة دون أن يتذكر من أين جاءت.
وهذا أمر معروف في دراسات الذاكرة، ويطلق على إحدى صوره Cryptomnesia؛ أي أن تعود إلى الذهن معلومة سبق للإنسان أن تعرض لها، مع نسيانه مصدرها.
ولذلك فإن قول شخص:
«والله لا أعرف من أين جاءتني هذه الكلمات»
لا يعني بالضرورة أنه يكذب.
قد يكون صادقًا تمامًا.
إنه لا يتذكر أنه سمعها.
لكن عدم تذكره للمصدر لا يعني أن المعلومة لم تدخل ذاكرته من قبل.
والدماغ نفسه قد يغير طريقة الكلام
وهناك أمر آخر ينبغي ألا نغفله.
فقد وثق الطب حالات نادرة تغيرت فيها طريقة كلام أشخاص بعد إصابات أو اضطرابات عصبية، فأصبح كلامهم يُسمع كما لو كان بلكنة أجنبية.
وتُعرف هذه الحالة بـمتلازمة اللكنة الأجنبية (Foreign Accent Syndrome).
والمصاب هنا لا يستيقظ وقد تعلم فجأة لغة جديدة.
إنما تتغير بعض خصائص النطق والإيقاع والتنغيم، فيسمعها الآخرون على أنها لكنة أجنبية.
وأنا لا أقول إن هذه المتلازمة هي تفسير ما يحدث لهؤلاء أثناء الرقية، وإنما أذكرها لأبين أن تغير طريقة الكلام أو اللكنة يمكن أن يحدث لأسباب أخرى، ولذلك لا يصح أن نجعل مجرد التغير دليلًا قاطعًا على أن المتحدث شخص آخر.
ما الذي نحتاجه حتى نقول: هذه لغة لم يتعلمها؟
لو جاءتنا حالة نريد أن نجعلها دليلًا على أن إنسانًا تحدث فعلًا بلغة لم يتعلمها، فلا يكفي أن نصورها في مقطع ونقول: اسمعوا بأنفسكم.
بل نحتاج أولًا إلى التأكد من أن الكلام لغة حقيقية.
ثم نحتاج إلى متخصص يتقن تلك اللغة ويحدد لنا ماذا قال الشخص بالضبط.
ثم نحتاج إلى معرفة مستوى كلامه: هل نطق كلمتين أو ثلاثًا؟ أم أجرى حوارًا كاملًا بلغة سليمة؟
وبعد ذلك يأتي السؤال الأصعب:
هل نستطيع فعلًا أن نثبت أنه لم يتعلم هذه اللغة، ولم يتعرض لها في طفولته أو شبابه، ولم يعش مع من يتحدث بها، ولم يسمع منها ما يمكن أن يكون قد بقي في ذاكرته؟
كلما كانت الدعوى أكبر، احتاجت إلى توثيق أقوى.
أما أن يقول شخص أثناء الرقية كلمات غريبة، ثم يقول الراقي:
«إنه الجني، وهو يتحدث بلغته»،
فهذا ليس دليلًا.
إنه تفسير لما حدث.
وهو بالضبط الفرق الذي بدأت به هذه السلسلة.
أنا لا أقول إن المريض يكذب
وهنا أخشى أن يُفهم كلامي على غير مرادي.
أنا لا أقول إن كل من تغير صوته أثناء الرقية يمثل.
ولا أقول إن كل من نطق بكلام غريب اخترعه متعمدًا.
ولا أقول إن كل قصة يرويها الناس في هذا الباب كذب.
بل قد يكون الإنسان صادقًا تمامًا في وصف تجربته.
وقد يتغير صوته فعلًا.
وقد ينطق بكلمات لا يعرف من أين جاءت.
وقد يعتقد بصدق أن شخصًا آخر يتحدث من داخله.
لكن مرة أخرى:
صدق التجربة لا يعني بالضرورة صحة تفسيرها.
وهذا هو الذي أريد أن أصل إليه.
في المقال السابق رأينا أن الارتعاش والصراخ والتنميل وغيرها من ردود الفعل لا تكفي وحدها لإثبات دخول الجني جسد الإنسان.
وفي هذا المقال رأينا أن تغير الصوت أو صدور كلام غريب لا يكفي وحده أيضًا لإثبات أن جنيًا يتحدث على لسان الإنسان.
ونعود مرة أخرى إلى الفكرة التي أكررها في هذه السلسلة:
وقوع الظاهرة شيء، والتفسير الذي نعطيه لها شيء آخر.
فلا يكفي أن نثبت أن شيئًا غريبًا حدث أثناء الرقية، بل ينبغي أيضًا أن نثبت أن تفسيرنا لما حدث صحيح.
فإذا كانت هناك تفسيرات لغوية وعصبية ونفسية، وأخرى مرتبطة بالذاكرة، يمكن أن تفسر بعض هذه الحالات، فإن مجرد ظهور الكلام الغريب لا يصلح وحده دليلًا على دخول الجني جسد الإنسان أو تحدثه على لسانه.
والله أعلى وأعلم.
ولمن أراد التوسع في هذه المسألة، والاطلاع على مزيد من الأمثلة والتفسيرات والتفاصيل، فقد تناولتها بصورة أوسع في كتابي، ويمكنه الرجوع إليه عبر موقعي هذا.