الأسرة في زمن التحديات الحلقة الثانية: لماذا نكون أسرة

الأسرة في زمن التحديات الحلقة الثانية: لماذا نكون أسرة

لماذا نكون أسرة؟

قد يبدو السؤال غريباً للوهلة الأولى، لأن معظم الناس يتعاملون مع الأسرة باعتبارها أمراً بديهياً لا يحتاج إلى تفسير. لكن عندما نتأمل قليلاً نجد أن هذا السؤال يستحق أن يُطرح.

لماذا لا يعيش الإنسان وحده؟

ولماذا يبحث معظم الناس، عاجلاً أو آجلاً، عن شريك حياة؟

ولماذا يشعر كثير من الناس بالوحدة رغم ما يملكونه من مال أو نجاح أو شهرة؟

ولماذا جعل الله الأسرة حاضرة في حياة البشر منذ بداية الخلق؟

إن أول ما يلفت الانتباه أن الله تعالى لم يترك آدم عليه السلام وحده، بل خلق له زوجة ليسكن إليها. وكأن الرسالة الأولى منذ بداية البشرية أن الإنسان لم يُخلق ليعيش وحيداً، بل خُلق ليعيش في إطار أسرة تقوم على السكن والمودة والرحمة.

قال الله تعالى:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.

فالإنسان اجتماعي بطبعه، يحتاج إلى الحب، ويحتاج إلى الأنس، ويحتاج إلى من يشاركه أفراحه وأحزانه، ويحتاج إلى من يشعر معه بالأمان والانتماء. وقد يستطيع الإنسان أن يعيش سنوات من عمره منشغلاً بالعمل أو الدراسة أو تحقيق أهداف مختلفة، لكنه يبقى محتاجاً إلى بيت يجد فيه السكينة، وإلى أشخاص يشعر بينهم أنه ليس وحده في هذه الحياة.

وقد يظن بعض الناس في مرحلة من مراحل العمر أن الأسرة ليست أولوية، أو أن بإمكان الإنسان أن يعوضها بالعمل أو المال أو الشهرة أو النجاح. وربما ينجح بعضهم بالفعل في بناء مسيرة مهنية ناجحة أو جمع ثروة كبيرة أو تحقيق مكانة اجتماعية مرموقة، لكن كثيراً منهم يكتشفون مع مرور السنوات أن هناك أشياء لا تعوضها الأموال ولا المناصب ولا الشهرة.

فالإنسان قد ينجح في عمله، وقد يحقق أحلاماً كثيرة، لكن أجمل الذكريات التي تبقى في حياته لا ترتبط غالباً بمنصب أو حساب بنكي، بل بأشخاص أحبهم وأحبوه، وببيت شعر فيه بالمودة والانتماء.

ولهذا لم يكن غريباً أن يشجع الإسلام على الزواج، وأن يجعله الطريق المشروع لتكوين الأسرة وبناء الحياة المشتركة وحفظ الحقوق وتحقيق الاستقرار.

قال الله تعالى:

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء».

فالأسرة في التصور الإسلامي لا تقوم على علاقات عابرة أو مؤقتة، وإنما تقوم على عقد ومسؤولية والتزام وحقوق وواجبات متبادلة تحفظ كرامة الجميع واستقرار المجتمع.

ومن الحكم الظاهرة في الزواج أيضاً أنه يتيح للإنسان إشباع حاجاته الفطرية والغريزية في إطار مشروع يحفظ له دينه وكرامته، ويحقق له الاستقرار النفسي والاجتماعي.

كما أن الأسرة ليست مصلحة فردية فحسب، بل هي أيضاً وسيلة لاستمرار النسل البشري وتعاقب الأجيال. فلو لم تكن هناك أسر، لما استمرت الحياة البشرية على الصورة التي أرادها الله تعالى.

غير أن وظيفة الأسرة لا تقتصر على إنجاب الأبناء فقط، فالأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان دينه ولغته وأخلاقه وقيمه وعاداته. ومن خلالها تنتقل القيم من جيل إلى جيل، وتحافظ المجتمعات على هويتها واستمرارها.

ولعل من أعظم ما تقوم به الأسرة أنها لا تربي الأبناء فقط، بل تربي الآباء والأمهات أيضاً.

فالإنسان لا يبني الأسرة فقط، بل الأسرة تبني الإنسان أيضاً.

فكم من شخص كان يعيش شيئاً من التردد أو الطيش أو عدم الاستقرار، ثم تغيرت أولوياته عندما أصبح مسؤولاً عن زوجة أو أبناء. وكم من إنسان كان يفكر في يومه فقط، فأصبح يفكر في مستقبل أسرته وأبنائه. وليس معنى هذا أن كل متزوج يصبح مثالياً، لكن الأسرة كثيراً ما تكون سبباً في نضج الإنسان، وزيادة إحساسه بالمسؤولية، واستقامته على أمور ربما لم يكن يهتم بها من قبل.

ومن خلال عملي في المستشفى، كثيراً ما أتأمل قيمة الأسرة في حياة الإنسان. فأرى مرضى تحيط بهم أسرهم وتساندهم في لحظات الضعف والألم، وعندما نسألهم عن مصادر القوة والثبات يكون الجواب في كثير من الأحيان: أسرتي.

وفي المقابل، أرى أحياناً أشخاصاً يعيشون قدراً كبيراً من الوحدة، فأدرك أن بعض أنواع الألم لا يرتبط بالمرض وحده، بل بالشعور بأن الإنسان يواجه محنته بمفرده.

وقد لا تستطيع الأسرة أن ترفع المرض أو تمنع الألم، لكنها كثيراً ما تخفف من وقعه، وتمنح الإنسان شعوراً بأنه ليس وحده في مواجهة الحياة.

ومن الأمور التي تظهر لنا أيضاً أهمية الأسرة في بناء المجتمعات واستقرارها، ما نسمعه من عدد ممن عايشوا بدايات هجرة المسلمين إلى أوروبا، حيث كان العمال الأوائل همهم الأكبر هو العمل وكسب الرزق، وكانوا يظنون أن إقامتهم مؤقتة وأنهم سيعودون قريباً إلى أوطانهم. ولذلك لم يكن التفكير في بناء المؤسسات أو المساجد أو تعليم الأجيال حاضراً بالقوة التي نراها اليوم.

لكن عندما لحقت الأسر، وجاءت الزوجات والأبناء، وتكونت البيوت واستقرت العائلات، تغيرت الأولويات بصورة واضحة. فظهر الاهتمام بتعليم الأبناء، وبناء المساجد، والحفاظ على الدين واللغة والهوية، وإنشاء الجمعيات والمؤسسات التي تخدم الجالية.

ولعل من المبالغة أن نقول إن الأفراد لم يكن لهم دور، لكن يمكن القول إن الأسر كانت من أهم العوامل التي رسخت الوجود الإسلامي في أوروبا، وحولته من وجود عمالي مؤقت إلى وجود مستقر يفكر في الأجيال القادمة. فكما تبني الأسرة الإنسان، فإنها تبني المجتمعات أيضاً.

إن كثيراً من نعم الله لا يدرك الإنسان قيمتها إلا إذا فقدها، والأسرة من أعظم هذه النعم. فهي المكان الذي يجد فيه الإنسان السكن والمودة والرحمة، ومنها تبدأ التربية، وبها تستمر الأجيال، وعندها يجد الإنسان السند في أوقات القوة والضعف، وفي أيام الصحة والمرض، وفي بدايات العمر ونهاياته.

ولذلك اعتنى الإسلام بالأسرة كل هذه العناية، لأنها ليست قضية خاصة داخل جدران البيت، بل أساس استقرار الإنسان والمجتمع والأمة كلها.

وفي الحلقة القادمة بإذن الله سنحاول الإجابة عن سؤال آخر لا يقل أهمية:

ما الأسرة التي ننشدها؟ وما المعايير التي نقيس بها نجاح الأسرة واستقرارها؟

0 0 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x