بعد الحديث في الحلقة السابقة عن الإيمان بوصفه الحارس الحقيقي للأسرة، ننتقل اليوم إلى معنى عظيم جعله الله تعالى من أسس الحياة الزوجية، بل من آياته الدالة على حكمته ورحمته، وهو الرحمة. قال سبحانه:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
والرحمة في الإسلام ليست خلقًا هامشيًا ولا قيمة تجميلية، بل هي من أعظم الأخلاق التي يحبها الله تعالى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». وإذا كانت الرحمة مطلوبة من المسلم تجاه الناس عامة، بل حتى تجاه الحيوان وسائر المخلوقات، فمن باب أولى أن تكون حاضرة داخل الأسرة، بين الزوجين، وبين الآباء والأبناء.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». فليس من المعقول أن يكون الإنسان لينًا مع الناس جميعًا، حسن الكلام مع الغرباء، ثم إذا دخل بيته خلع عنه الرحمة، وصار شديدًا على زوجه وأولاده. بل إن معيار الخيرية الحقيقي لا يظهر فقط في التعامل مع الناس خارج البيت، وإنما يظهر قبل ذلك داخل البيت نفسه، لأن الأهل أولى الناس بالرفق، والاحتواء، والصبر، وحسن المعاملة.
ثم إن الرحمة داخل الأسرة ليست مجرد فضيلة يُمدح بها الإنسان، بل هي ضرورة من ضرورات استقرار البيت. فالرحمة هي التي تجمع القلوب، وتخفف حدة الأخطاء، وتفتح باب العفو، وتجعل أفراد الأسرة أكثر قدرة على احتمال بعضهم بعضًا. أما القسوة والغلظة والجفاف، فهي من أخطر ما يهدد البيوت، لأنها تزرع النفور، وتُحدث التباعد، وتحوّل الخلافات الصغيرة إلى جراح كبيرة.
ولهذا يلفت القرآن نظرنا إلى أثر الرحمة في جمع الناس وائتلافهم، حين يقول الله تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
فإذا كانت الرحمة واللين سببًا في اجتماع الناس حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الأسرة أولى ما تكون إلى هذا الخلق؛ لأنها لا تقوم على السكن والمودة إلا إذا وجدت فيها قلوب رحيمة، وألسنة لينة، ونفوس تعرف كيف تحتوي وتسامح وتواسي.
لكن يبقى سؤال مهم: ما المقصود بالرحمة داخل الأسرة؟
في تقديري، من أبسط معاني الرحمة وأعمقها داخل البيت أن يعامل كل طرف الطرف الآخر بوصفه إنسانًا. أن يعامل الزوج زوجته على أنها بشر، لا آلة تؤدي ما يُطلب منها بلا تعب ولا ضعف ولا تقصير. وأن تعامل الزوجة زوجها على أنه إنسان، لا كائن لا يمرض، ولا ينسى، ولا يضعف، ولا يخطئ. وأن ينظر الآباء إلى أولادهم، وينظر الأولاد إلى آبائهم، من هذا المنظار نفسه: منظور البشرية بكل ما تحمله من ضعف واحتياج ونقص.
وكثير من القسوة التي تقع داخل الأسر لا ترجع فقط إلى سوء الخلق، بل ترجع أحيانًا إلى توقعات غير واقعية. حين ينتظر أحد الزوجين من الآخر أن يكون دائمًا حاضر الذهن، قوي النفس، حسن المزاج، متفهمًا، منتبهًا لكل شيء، لا ينسى، لا يمرض، لا يتعب، لا يضيق، لا ينفعل، فإنه في الحقيقة لا يتعامل معه كإنسان، بل يتعامل معه كما لو كان آلة أو مخلوقًا منزّهًا عن الضعف.
أما الرحمة، فإنها تبدأ من استحضار الحقيقة البسيطة العميقة: أن الذي أمامك بشر. والبشر يغضبون، ويتعبون، ويضعفون، وينسون، ويحتاجون إلى كلمة طيبة، وإلى تشجيع، وإلى من يعذرهم إذا أخطؤوا، ويأخذ بأيديهم إذا تعثروا. والبشر لا يحتاجون دائمًا إلى من يذكّرهم بنقصهم، بل كثيرًا ما يحتاجون إلى من يحتوي ضعفهم، ويغفر زلتهم، ويرفق بهم في لحظات انكسارهم.
ومن أوضح صور الرحمة داخل الأسرة أن يجد الإنسان من زوجه، عند المرض أو الضعف، من يصدّق ألمه، ويتفهم حاله، ويخفف عنه، لا من يشكك فيه أو يزيده وجعًا. فالإنسان إذا مرض تغيّرت طاقته، وضعفت نفسه، وربما عجز عن بعض ما كان يقوم به من قبل. وهنا يظهر معدن الرحمة في البيت: هل يرى أحد الزوجين في مرض الآخر مناسبة للمواساة والمساندة، أم يتحول المرض عنده إلى محل اتهام وتشكيك وعتاب؟
وقد مرت عليّ بحكم عملي في المستشفى حالات مؤلمة في هذا الباب. ومن ذلك زوجة ابتلاها الله بمرض السرطان، وحين تحدثت معها وجدت أن من أكثر ما يثقل قلبها ليس المرض وحده، بل شعورها بأن زوجها لا يصدق تمامًا ما تمر به، ويرى أنها تستعمل المرض ذريعة للتقاعس وعدم القيام بواجباتها. وهذا مثال موجع على غياب الرحمة؛ لأن المريض لا يحتاج فقط إلى الدواء، بل يحتاج كذلك إلى كلمة تطمئن، وإلى من يرفق به، ويحتمل ضعفه، ويشعره أنه ليس وحده في معركته مع الألم.
ومن صور غياب الرحمة المؤلمة أيضًا ما وقفت عليه في عملي إمامًا، حين اتصل بي رجل يخبرني بأنه طلق زوجته، ثم أراد بعد ذلك أن يراجعها. ولما سألناه عن سبب الطلاق، قال إنه عاد من العمل فلم يجد العشاء جاهزًا، فسأل زوجته عن السبب، فأخبرته بأنها مريضة. لكنه لم يرحم مرضها، ولم يتوقف عند ضعفها، بل قال لها: والله إن لم تهيئي العشاء فأنت طالق. فقالت له: والله لن أهيئه، فطلقها لهذا السبب.
وهذه الحادثة، على قسوتها، تكشف لنا بوضوح كيف يمكن لغياب الرحمة أن يحول البيت من موطن سكن ومودة إلى ساحة ضغط وتهديد. فالزوجة هنا لم تكن تتمرد ولا تتلاعب، بل كانت مريضة، وكان الأولى أن تجد من زوجها سؤالًا عن حالها، أو كلمة مواساة، أو يدًا تخفف عنها، لا تهديدًا يهدم بيتًا كاملًا لأن الطعام لم يكن حاضرًا في تلك اللحظة.
والرحمة لا تظهر فقط في لحظات المرض، بل تظهر أيضًا عندما يمر أحد الطرفين بظروف صعبة: ضيق مادي، أو تعب نفسي، أو أزمة صحية، أو فترة ضعف وانكسار. ففي مثل هذه الأحوال، يحتاج الإنسان أن يشعر بأن شريك حياته يفهمه، ويقف معه، وينصت إليه، ويخفف عنه، لا أن يزيده شعورًا بالفشل أو العجز أو الوحدة. وإذا غابت الرحمة في هذه اللحظات، ضعفت الثقة، وخبا الحب، وتسلل الجفاء إلى البيت شيئًا فشيئًا.
ولا تقف آثار الرحمة عند حدود العلاقة بين الزوجين، بل تمتد إلى الأبناء أيضًا. فالرحمة بين الزوجين لا تبقى محصورة بينهما، بل تنتقل في الغالب إلى الأولاد، لأن الطفل الذي ينشأ في بيت تسوده الرحمة يتشكل وجدانه بطريقة مختلفة. يتعلم من الجو العام في البيت كيف يتكلم، وكيف يعتذر، وكيف يختلف، وكيف يحنو على غيره. أما إذا نشأ في بيت تغلب عليه القسوة، أو الإهانة، أو الجفاء، فإن آثار ذلك لا تقف عند لحظات الطفولة، بل قد تمتد معه طويلًا.
ومن الرحمة بالأولاد ألا نعاملهم كآلات للطاعة والنجاح والدراسة فقط، بل كبشر يخطئون ويتعثرون ويحتاجون إلى من يحتويهم ويأخذ بأيديهم. والتربية ليست صناعة ميكانيكية نتحكم في كل تفاصيلها ونتائجها، بل هي أقرب إلى الغرس والرعاية. نحن نزرع ونسقي ونتعب، لكننا لا نملك وحدنا كل النتائج؛ لأن لله تعالى حكمته، وللأبناء أيضًا شخصياتهم واختياراتهم وطبائعهم. ومن هنا كان من الرحمة أن نصبر على تعثرهم، وألا نحول كل خطأ إلى معركة، أو كل تقصير إلى حكم قاسٍ على مستقبلهم كله.
ولنا في خلق النبي صلى الله عليه وسلم أسوة عظيمة؛ فقد قال أنس رضي الله عنه، وقد خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين: «فما قال لي لشيء فعلته: لِمَ فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا». وليس المقصود بهذا ترك التوجيه أو التربية، وإنما المقصود استحضار هذا الأصل العظيم في المعاملة: الرحمة، وسعة الصدر، وعدم كسر النفس، وعدم تحويل البيت إلى مكان خوف دائم بدل أن يكون موطن أمان.
إن الرحمة داخل الأسرة ليست ضعفًا، وليست تنازلًا عن الحقوق، وليست إلغاءً للمسؤولية، بل هي روح تجعل الإنسان يؤدي حقه بطريقة إنسانية، ويطالب بحقه دون ظلم، ويعالج الخطأ دون إهانة، ويواجه التقصير دون أن يهدم ما بينه وبين من يحب. ولذلك فإن وجود الرحمة داخل الأسرة من أعظم أسباب السعادة والاستقرار، وغيابها من أخطر أسباب الجفاء والتصدع.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل زوج وكل زوجة، وكل أب وكل أم على نفسه ليس فقط: ماذا قدم لي أهل بيتي؟ بل قبل ذلك: هل كنت رحيمًا بهم؟ هل رأيت ضعفهم فرفقت بهم؟ وهل التمست لهم العذر إذا أخطؤوا؟ وهل كنت لهم سكنًا في لحظة التعب، أم كنت عبئًا آخر يضاف إلى أعبائهم؟
فبقدر حضور الرحمة في البيت، يتحول البيت إلى ملاذ، وتقترب الأسرة من الصورة التي أرادها الله لها: سكن، ومودة، ورحمة.
والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.
