الأسرة في زمن التحديات الحلقة الرابعة: كيف نبني الأسرة التي ننشدها

الأسرة في زمن التحديات الحلقة الرابعة: كيف نبني الأسرة التي ننشدها

في الحلقة السابقة تحدثنا عن الأسرة التي ننشدها، وقلنا إنها الأسرة التي توفر لأفرادها البيئة المناسبة للقيام بواجباتهم الدينية والدنيوية، وتعينهم على إشباع حاجاتهم المادية والمعنوية في إطار من المودة والرحمة والاستقرار.

لكن يبقى سؤال مهم: كيف نصل إلى هذه الأسرة؟ وكيف نبنيها في زمن تزداد فيه التحديات والضغوط يوماً بعد يوم؟

والجواب أن الأسر الناجحة لا تُبنى صدفة، كما أن البيوت المستقرة لا تنشأ من فراغ. فكثير من المشكلات التي تظهر بعد الزواج تكون جذورها قد زُرعت قبل الزواج بسنوات طويلة. ولذلك اهتم الإسلام بالبدايات، لأن سلامة البناء مرتبطة بسلامة الأساس.

قال الله تعالى:

﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ﴾.

وإذا كان هذا المبدأ صحيحاً في سائر المشاريع والأعمال، فإنه في الأسرة أولى وأعظم، لأنها من أهم المشاريع التي يقدم عليها الإنسان في حياته.

إعداد الإنسان قبل البحث عن شريك الحياة

وعندما نتحدث عن البدايات الصحيحة، فإن الحديث لا ينبغي أن يقتصر على اختيار الزوج أو الزوجة فقط، بل يبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة.

فكثير من الآباء والأمهات يهتمون بنجاح أبنائهم الدراسي والمهني، ويحرصون على أن يحصلوا على أفضل الشهادات وأفضل الوظائف، وهذا أمر محمود ومطلوب. لكن هناك سؤالاً آخر لا يقل أهمية:

هل نُعِد أبناءنا ليكونوا أزواجاً وزوجات ناجحين؟

ما الذي يحتاجه ابني اليوم ليكون غداً زوجاً مسؤولاً وأباً ناجحاً؟ وما الذي تحتاجه ابنتي لتكون زوجة صالحة وأماً قادرة على بناء أسرة مستقرة؟

إن الحياة الزوجية لا تحتاج إلى المال والشهادات فقط، بل تحتاج أيضاً إلى تحمل المسؤولية، والصبر، والحوار، واحترام الآخر، وضبط الغضب، والتعاون، والتضحية، وحسن إدارة الخلافات.

وهذه المهارات لا تُكتسب ليلة الزفاف، بل تُبنى بالتربية والتوجيه والتدريب عبر سنوات طويلة.

القدوة قبل النصيحة

غير أن إعداد الأبناء للحياة الأسرية لا يكون بالكلام وحده، بل يكون قبل ذلك بالقدوة التي يرونها داخل البيت.

فالابن يتعلم معنى الزواج من العلاقة التي يراها بين والديه، والبنت تتعلم معنى الحياة الأسرية من الجو الذي تعيش فيه كل يوم.

وعندما يرى الأبناء بيتاً تسوده المودة والاحترام والتعاون والرحمة، فإنهم يحملون هذه الصورة معهم إلى مستقبلهم الأسري. أما إذا نشؤوا في بيت لا يكاد يخلو من الشجار والتوتر والصراعات، فإن آثار ذلك قد تمتد إلى حياتهم المستقبلية.

بل إن بعض الشباب والفتيات لا ينفرون من الزواج بسبب رفضهم لفكرة الأسرة، وإنما بسبب الصورة السلبية التي ترسخت في أذهانهم من خلال ما عاشوه داخل بيوتهم.

ولهذا فإن من أعظم الهدايا التي يمكن أن يقدمها الوالدان لأبنائهما أن يقدما لهم نموذجاً عملياً لأسرة يسودها الاحترام والمودة والرحمة.

حسن الاختيار

وبعد إعداد الإنسان نفسه تأتي خطوة اختيار شريك الحياة.

فالزواج ليس علاقة عابرة، بل شراكة قد تمتد عشرات السنين، وتؤثر في الزوجين والأبناء والمجتمع كله.

ولهذا وجَّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى مراعاة الدين والخلق، لأن الجمال والمال والمكانة الاجتماعية قد تجلب شيئاً من السعادة، لكن الدين والخلق هما اللذان يساعدان الأسرة على تجاوز الأزمات والصعوبات عندما تأتي التحديات.

كما أن من المهم أن يبحث الطرفان عن وحدة المرجعية والقيم والأهداف الكبرى، لأن الأسرة لا تقوم على المشاعر وحدها، بل تحتاج كذلك إلى اتفاق في المبادئ والأسس التي ستبنى عليها الحياة المشتركة.

ومن هنا تبرز أهمية الاستخارة والاستشارة، لأن العاطفة قد تحجب بعض الحقائق، بينما تساعد الاستشارة على رؤية الأمور بوضوح أكبر، وتذكر الاستخارة الإنسان بأن التوفيق الحقيقي بيد الله تعالى.

البداية على التقوى

ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس أنهم يحرصون على بناء أسرة مستقرة، لكنهم يبدأون الطريق بمخالفة أوامر الله تعالى.

فيتساهلون في العلاقات المحرمة أو في تجاوز الحدود الشرعية بحجة أنهم ينوون الزواج في المستقبل.

ومع أن النية الصالحة مطلوبة، فإن البركة الحقيقية تكون في طاعة الله، وفي أن يبدأ الإنسان مشروع حياته الزوجية من الباب الذي شرعه الله له.

فالأسرة التي تُبنى على التقوى تكون أرجى للثبات وأقرب إلى البركة من الأسرة التي تبدأ طريقها بمخالفة أوامر الله.

الهجرة والأسرة التي واجهت التحديات

ومع بداية عام هجري جديد، نستحضر نموذجاً من الأسر التي واجهت تحديات هائلة وثبتت أمامها بفضل الإيمان ووحدة الهدف.

إنها أسرة أبي سلمة وأم سلمة رضي الله عنهما.

فعندما أذن الله للمسلمين بالهجرة إلى المدينة، خرج أبو سلمة بزوجته أم سلمة وابنهما يريدون الهجرة، لكن قريشاً وأقاربهم حالوا بينهم وبين ذلك، فتفرقت الأسرة، وبقي الزوج في المدينة، والزوجة في مكة، وانتزع الابن من أمه مدة من الزمن.

ومع ما في ذلك من ألم ومعاناة، لم يتراجعوا عن هدفهم، ولم يتخلوا عن المبادئ التي اجتمعوا عليها.

لقد كانت أسرة قوية لأن ما جمعها لم يكن مجرد العاطفة، بل الإيمان، ووحدة المرجعية، ووحدة الهدف.

وهذا من أهم الدروس التي تعلمنا إياها الهجرة: أن الأسر التي تُبنى على التقوى والقيم المشتركة تكون أقدر على الصمود أمام التحديات، مهما اختلفت صور تلك التحديات من زمان إلى آخر.

إن الأسرة الناجحة لا تبدأ يوم الزواج، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات، بالتربية الصالحة، والقدوة الحسنة، وحسن الاختيار، واحترام حدود الله، وبناء العلاقة على الإيمان والقيم المشتركة.

فكلما كانت البدايات صحيحة، كانت فرص الوصول إلى الأسرة التي ننشدها أكبر، وكان البنيان أقرب إلى الثبات والاستمرار.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

0 0 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x