في الحلقة السابقة تحدثنا عن أهمية إعداد الإنسان للحياة الزوجية، وعن القدوة داخل الأسرة، وحسن اختيار شريك الحياة، وأن الأسرة الناجحة لا تبدأ يوم الزواج، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات بالتربية الصالحة، والقدوة الحسنة، وحسن الاختيار، وبناء العلاقة على التقوى.
لكن يبقى سؤال مهم: بعد أن تتأسس الأسرة، ما الذي يحفظها؟ وما الذي يجعلها قادرة على الاستمرار رغم اختلاف الطباع، وتغير الظروف، وكثرة التحديات؟
إن من أعظم ما يحفظ الأسرة ويحقق استقرارها الإيمان بالله تعالى، واستحضار مراقبته في كل قول وفعل. فالقوانين قد تنظم بعض العلاقات، والمحاكم قد تنصف بعض المظلومين، لكنها لا تستطيع أن تراقب تفاصيل الحياة اليومية داخل البيت، ولا أن تمنع كل ظلم أو تقصير أو خيانة. أما الإيمان، فإنه يربي الضمير، ويجعل الإنسان يستشعر أن الله مطلع عليه في سره وعلانيته، وأنه مسؤول عن كل كلمة وكل تصرف يصدر منه.
ولذلك يلفت النظر أن القرآن الكريم، وهو يتحدث عن أحكام الأسرة والعلاقة بين الزوجين، يكرر التذكير بتقوى الله وعلمه وإحاطته، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. كما قال سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وكأن القرآن يريد أن يقرر أن الأسرة لا يحفظها القانون وحده، وإنما يحفظها قبل ذلك الإيمان الذي يجعل المعروف نابعًا من مراقبة الله تعالى.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي.» فجعل معيار الخيرية الحقيقية هو حسن معاملة الأهل، لأن الزوج أو الزوجة أولى الناس بحسن الخلق، والرحمة، والرفق، والصبر، والعدل. وليس من الكمال أن يحسن الإنسان إلى الناس جميعًا ثم يسيء إلى أهل بيته.
ومن هنا نفهم لماذا يعد الإيمان عنصرًا أساسيًا في بناء الأسرة المستقرة؛ فالمؤمن يعلم أن علاقته بزوجته أو بزوجها ليست علاقة بلا حساب، وإنما هي أمانة سيسأل عنها بين يدي الله تعالى. فإذا ظلم زوجته، أو اعتدى على حقها، أو قصر في واجباته، استحضر أنه سيقف يومًا بين يدي الله ليحاسبه على ذلك. وكذلك الزوجة تعلم أنها إن ظلمت زوجها، أو خانت الأمانة، أو اعتدت على حقه، فإن الله تعالى مطلع عليها وسيحاسبها. ولذلك كلما قوي الإيمان، قل الظلم، وحفظت الحقوق، واقتربت الأسرة من الاستقرار.
ومن أخطر صور الظلم في الحياة الزوجية الخيانة، بمختلف صورها. ففي زمن كثرت فيه الفتن، وسهلت فيه وسائل التواصل، وأصبحت أسباب الانحراف أقرب من أي وقت مضى، لا يبقى الحافظ الحقيقي إلا مراقبة الله تعالى. والخيانة لا تقتصر على خيانة العرض، بل قد تكون خيانة للأمانة، أو للمال، أو بإفشاء أسرار الحياة الزوجية، أو بنقض الثقة التي يقوم عليها البيت. وقد يستطيع الإنسان أن يخفي ذلك عن الناس، لكنه لا يستطيع أن يخفيه عن الله عز وجل.
والإيمان لا يمنع الظلم والخيانة فحسب، بل يدفع صاحبه إلى المبادرة بإصلاح الخطأ إذا وقع فيه. فالمؤمن لا يستكبر عن الاعتذار، ولا يتردد في طلب الصفح، لأنه يعلم أن حقوق العباد لا تضيع عند الله، وأن ما لم يتحلل منه في الدنيا قد يطالب به يوم القيامة. ويستحضر قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. ومن استحضر هذا اليوم، سارع إلى رد الحقوق، وطلب المسامحة، قبل أن يقف بين يدي ربه.
ولا يقتصر أثر الإيمان على منع الظلم وإصلاح الخطأ، بل يتجاوز ذلك إلى بناء روح الإحسان داخل الأسرة. فالمؤمن لا يحسن إلى زوجه بدافع العاطفة والفطرة فقط، وإنما يحسن إليه أيضًا ابتغاء مرضاة الله تعالى، وهو يعلم أن كل معروف يقدمه لأهله مكتوب في ميزان حسناته.
فإذا صبر على ما يكره ابتغاء وجه الله، أثابه الله. وإذا عفا وتجاوز عن زلة شريك حياته، رجا أن يعفو الله عنه، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. وإذا أنفق على أهله، أو رحمهم، أو أدخل السرور عليهم، احتسب ذلك عند الله تعالى. وكذلك الزوجة في إحسانها إلى زوجها، وصبرها، ووفائها، ورعايتها لبيتها وأبنائها.
وهكذا تتحول الحياة الزوجية من مجرد تبادل للحقوق والواجبات إلى عبادة يتقرب بها الزوجان إلى الله عز وجل، فيصبح كل موقف فرصة للأجر، وكل إحسان طريقًا إلى رضوان الله.
ومن خصائص الحياة أنها متقلبة، فلا يبقى أحد دائمًا في موضع القوة. فقد يكون الزوج اليوم هو الأقوى، ثم يصبح غدًا أضعف بسبب مرض، أو كبر، أو ضيق في الرزق، أو غير ذلك من الظروف. وقد تكون الزوجة اليوم في موضع ضعف، ثم تصبح في موضع قوة بسبب المال، أو العمل، أو القوانين، أو وقوف الأولاد إلى جانبها، أو غير ذلك من الأسباب.
وفي مثل هذه الأحوال قد تغري النفس صاحبها باستغلال ضعف الطرف الآخر، لكن الإيمان يقف حاجزًا أمام هذا الانحراف، لأن المؤمن يعلم أن القوة أمانة، وأنها قد تزول في أي لحظة، وأن الله تعالى سائله عن كيفية استعمالها. ولذلك يبقى العدل حاضرًا، سواء كان الإنسان في موضع القوة أو في موضع الضعف.
كما يغرس الإيمان في النفوس الأخلاق التي لا تستقيم الأسرة إلا بها؛ فهو يعلمنا الصبر عند الشدائد، والعفو عند الزلات، والشكر على المعروف، والوفاء عند تغير الأحوال. وكثير من البيوت لا تهدمها المشكلات الكبيرة، وإنما يهدمها غياب هذه الأخلاق في تفاصيل الحياة اليومية.
فكم من كلمة طيبة كان يمكن أن تطفئ خلافًا، لكنها لم تقَل. وكم من معروف قدمه أحد الزوجين فلم يجد كلمة شكر، فترك في نفسه أثرًا مؤلمًا. وكم من موقف احتاج إلى شيء من الصبر أو العفو، لكن استعجال الغضب حوّله إلى نزاع طويل. والإيمان هو الذي يذكر صاحبه في تلك اللحظات بأن الله يحب الصابرين، ويحب المحسنين، ويجزي الشاكرين، ولا يضيع أجر من أحسن عملًا.
وقد أحسن الإمام الحسن البصري رحمه الله حين جاءه رجل يستشيره فيمن يزوج ابنته، فقال: «زوجها ممن يتقي الله، فإنه إن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها.»
وهذه الكلمات القليلة تلخص حقيقة عظيمة؛ فليس الامتحان الحقيقي في حسن المعاملة عندما تكون المودة قائمة، وإنما يظهر أثر الإيمان عندما يقع الخلاف، أو تضعف المحبة، أو تتغير الظروف. فهناك يمنع التقوى صاحبها من الظلم، حتى وهو غاضب، وتمنعه من التعدي، حتى وهو قادر عليه.
إن الأسرة التي ننشدها لا تقوم على الحب وحده، ولا على المصالح المشتركة وحدها، فالمشاعر قد تضعف، والظروف قد تتغير، وإنما تقوم قبل ذلك على الإيمان الذي يربي الضمير، ويقيم العدل، ويمنع الظلم، ويحفظ الأمانة، ويغرس الصبر، والوفاء، والشكر، والإحسان.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل زوج وكل زوجة على نفسه ليس فقط: ماذا أخذت من شريك حياتي؟ بل قبل ذلك: هل راقبت الله في تعاملي معه؟ وهل لو وقفت اليوم بين يدي الله أستطيع أن أقول: لم أظلمه، وأديت حقه، وأحسنت إليه؟
فبقدر حضور هذا السؤال في القلوب، يكون حضور السكينة في البيوت، وتقترب الأسرة من الصورة التي أرادها الله لها: أسرة تقوم على المودة، والرحمة، والتقوى.
والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.
