كأنك تراه… رحلة في بناء اليقين

الحلقة الرابعة: ﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾… كيف ترى النعمة؟

ملاحظة: (مقالات هذه السلسلة أطول نسبيًا من المقالات التي أنشرها عادة؛ لأن الحديث عن اليقين وبنائه في القلب لا أريد له أن يكون مجرد خواطر سريعة، بل يحتاج إلى شيء من التأمل والشرح، وإلى الوقوف مع أدلته من القرآن والسنة، وربطه بواقع الإنسان وحياته. ومن يبحث فعلًا عن طريق يرتقي به من مجرد المعرفة إلى رسوخ الإيمان واليقين، فلعل هذا الموضوع يستحق منه شيئًا من الوقت والقراءة المتأنية.)

وقفنا في الحلقة الماضية عند معنى يتكرر في القرآن كثيرًا: أن الله تعالى لم يخلقنا فقط، وإنما خلق لنا، وجعل لنا، وسخّر لنا:

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، و**﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾**.

وتوقفنا مع الماء الذي نشربه، والهواء الذي نتنفسه، والأرض التي نمشي عليها، والليل والنهار، ومع نعم كثيرة نعيش داخلها كل يوم حتى كدنا، من شدة اعتيادنا عليها، ألا نراها.

لكن السؤال اليوم ليس: ما النعم التي أعطانا الله؟

فهذا باب لا نستطيع إحصاءه أصلًا: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾.

وإنما السؤال: كيف يرى المؤمن النعمة؟ وماذا يحدث في قلبه حين يدرك أن ما بين يديه من الله؟ وكيف يكون شكرها؟

﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾

يقول الله تعالى في الحديث عن الركوب:

﴿لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾.

تستوقفني هنا عبارة:

﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾.

فالإنسان قد ينتفع بالنعمة، ولكنه ينسى أنها نعمة.

كان الإنسان قديمًا يركب دابة أقوى منه، ومع ذلك ذللها الله له. واليوم تغيرت وسائل الركوب: سيارة، وقطار، وطائرة. تغيرت الصورة، لكن المعنى لم يتغير.

نركب وننتفع بما وصل إليه الإنسان من علم وصناعة، لكن المؤمن يرى وراء ذلك أيضًا ما أودعه الله في الكون من مواد وخصائص، وما وهبه للإنسان من عقل وقدرة على التعلم والاكتشاف، فيقول:

﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾.

ولم يعلمنا النبي ﷺ أن نستحضر المنعم عند الركوب فقط. حتى عندما يلبس الإنسان ثوبًا جديدًا يقول مما ورد عنه ﷺ:

«اللهم لك الحمد، أنت كسوتنيه…»

تأمل:

«أنت كسوتنيه».

أنا ذهبت إلى المتجر، واخترت الثوب، ودفعت ثمنه، لكن المؤمن لا يقف عند السبب القريب؛ يرى وراء الأسباب فضل الله.

وكذلك يأكل فيحمد الله، ويشرب فيحمده، ويبدأ صباحه بقوله:

«اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك، فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر».

إن هذه الأذكار لا تعلمنا كلمات نقولها فقط، وإنما تعلمنا كيف نرى الحياة.

نركب، فلا ننسى من سخّر.

ونلبس، فلا ننسى من كسا.

ونأكل، فلا ننسى من رزق.

ونستيقظ، فلا ننسى من وهبنا يومًا جديدًا.

أحيانًا لا نعرف ثمن النعمة إلا عندما نحتاج إلى بديل عنها

قبل أيام ذهبت إلى طبيب الأسنان، فأخبرني أن أحد أضراسي متضرر، ونصحني بتغليفه. فلما سألته عن التكلفة، أخبرني أنها تقارب ألف يورو.

ألف يورو تقريبًا من أجل تغليف ضرس واحد!

خرجت وأنا أفكر: هذا غلاف لضرس واحد، فكم تساوي الأسنان والأضراس التي أعيش بها منذ عشرات السنين؟ آكل بها، وأمضغ، وأتكلم، وأبتسم، ولم تصلني يومًا فاتورة مقابلها.

ثم إن ما يصنعه الإنسان، مهما بلغ من الجودة، يبقى محاولة لتعويض شيء تضرر أو فُقد، ولا يكون هو السن الذي خلقه الله لك أول مرة.

أحيانًا لا نعرف ثمن النعمة إلا عندما نضطر إلى شراء بديل عنها.

وضرس واحد يجعلك تفكر في فمك، ثم يجعلك فمك تفكر في جسدك كله.

فالكليتان تعملان في جسدك ليلًا ونهارًا وأنت لا تكاد تشعر بهما. فإذا تعطلت وظائفهما واحتاج الإنسان إلى تصفية دمه، بدأت رحلة العلاج والمواعيد والساعات والتعب.

فكيف بالبصر؟ وكم تساوي عين ترى بها وجوه من تحب، وتقرأ بها، وترى الطريق والعالم من حولك؟

وكم تساوي نعمة العقل: أن تعرف من أنت، وتعرف أهلك، وتفهم، وتتذكر، وتتعلم، وتفكر؟

ثم هناك ما هو أعظم:

نعمة الهداية والإيمان.

فالله لم يعطك فقط ما تعيش به، بل هداك إلى ما تعرف به لماذا تعيش، ولمن تعيش، وإلى أين تسير.

قال تعالى:

﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.

وصدق الله:

﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾.

نعمة من الله… وحمد من العبد

ومن عجيب كرم الله أن النعمة منه، ثم يرضى منك أن تعترف بفضله وتحمده عليها.

قال رسول الله ﷺ:

«إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها».

تأكل من رزقه ثم تقول: الحمد لله، فيرضى عنك.

وتشرب من مائه ثم تحمده، فيرضى عنك.

ولهذا فـ «الحمد لله» ليست مجرد كلمة اعتدناها؛ إنها اعتراف بأن النعمة لم تأت من فراغ، وأن وراءها من أنعم بها.

ولكن النعمة ليست عطاء بلا مسؤولية:

﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾.

وقد خرج النبي ﷺ يومًا فوجد أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وقد أخرجهم الجوع، ثم أكلوا وشربوا عند رجل من الأنصار حتى شبعوا، فقال لهم:

«والذي نفسي بيده، لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة».

طعام بعد جوع، وماء بعد عطش، ومع ذلك هو من النعيم الذي يُسأل عنه الإنسان.

فإذا كان هذا من النعيم، فكم من نعيم نعيش فيه اليوم ولا نكاد نشعر به؟

وهنا لا يعود السؤال فقط:

ماذا أعطاني الله؟

بل أيضًا:

ماذا فعلت بما أعطاني الله؟

﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾

ويضع القرآن أمامنا نموذجًا عظيمًا في رؤية النعمة: سليمان عليه السلام.

آتاه الله من الملك والقوة ما لم يؤت كثيرًا من الناس، فلما رأى نعمة عظيمة أمامه قال:

﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾.

هذه الآية وحدها ترسم نظرة المؤمن إلى النعمة:

﴿مِن فَضْلِ رَبِّي﴾: أعرف مصدرها.

﴿لِيَبْلُوَنِي﴾: أعرف أنها ليست امتيازًا فقط، بل امتحان أيضًا.

﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾: أعرف أن السؤال هو ماذا سأفعل بها.

بل كان سليمان نفسه يدعو:

﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾.

يملك النعمة، ثم يطلب من الله نعمة أخرى:

أن يعينه على شكرها.

بين «ربي» و«عندي»

وفي الجهة الأخرى يعرض القرآن قارون.

فلما ذُكِّر بنعمة الله عليه قال:

﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾.

وتأمل الفرق:

سليمان:

﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾.

وقارون:

﴿عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾.

ربي… وعندي.

المشكلة ليست في امتلاك النعمة، وإنما في القلب الذي يستقبلها.

أحدهما رأى وراء النعمة المنعم، والآخر رأى نفسه.

وقد يقع الإنسان اليوم في المعنى نفسه دون أن ينطق بكلام قارون.

يقول: وصلت لأنني درست، وعملت، وسهرت، وخططت، ولأنني أملك الخبرة والذكاء.

ولا أحد يطلب منك أن تنكر ذلك. لقد درست وعملت واجتهدت وأخذت بالأسباب.

ولكن من أعطاك العقل الذي درست به، والصحة التي عملت بها، والقدرة على الصبر؟ ومن هيأ لك الفرص وصرف عنك الموانع؟

وكم من إنسان أذكى منك لم يصل إلى ما وصلت إليه؟ وكم من إنسان بذل جهدًا أكبر، ولم تتهيأ له الأسباب التي تهيأت لك؟

الإيمان لا يطلب منك أن تنكر جهدك، وإنما أن تنكر استقلالك بجهدك.

«لا حول ولا قوة إلا بالله»

وهنا نفهم بصورة أعمق كلمة نرددها كثيرًا، وسماها النبي ﷺ «كنزًا من كنوز الجنة»:

«لا حول ولا قوة إلا بالله».

هل نقولها فقط، أم نعيش معناها؟

من معانيها أن الإنسان لا يستقل بحوله وقوته عن الله؛ فلا تحول من حال إلى حال، ولا قدرة على تحصيل خير أو دفع شر، إلا بعونه ومشيئته.

وهذا لا يعني ترك العمل والأسباب.

اعمل، وخطط، وتعلم، واجتهد.

لكن لا تجعل الأسباب تحجب عنك رب الأسباب.

«لا حول ولا قوة إلا بالله» ليست تبرؤًا من العمل، وإنما تبرؤ من وهم الاستقلال بالقوة.

فتصبح الحوقلة اعتقادًا يعيشه القلب، لا مجرد كلمات يرددها اللسان.

فكيف نشكر؟

إذا كانت النعمة من الله، فكيف يكون شكرها؟

الشكر يبدأ من القلب: أن تعرف النعمة، وأن تعرف المنعم.

ويظهر على اللسان: أن تحمد الله وتنسب الفضل إليه.

ثم يظهر في العمل: أن تستعمل النعمة فيما يرضي من أنعم بها عليك.

فشكر العين ألا تستعملها فيما حرم الله، وشكر المال أن تؤدي حق الله فيه وألا تستعمله في الحرام، وشكر الهداية والإيمان أن تتمسك بهما وتزداد بهما قربًا من الله.

وهكذا لكل نعمة شكر يناسبها.

فالحمد باللسان من الشكر، ولكنه ليس كل الشكر.

﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾

قال الله تعالى:

﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾.

تأمل المفارقة:

النعم لا نستطيع إحصاءها، ولكن الشاكرين حقًا قليل.

فالإنسان قد يعتاد النعمة حتى لا يراها، وقد يراها ثم ينسبها إلى نفسه، وقد يحمد الله عليها بلسانه ثم يستعملها فيما لا يرضيه.

ولأن الشكر نفسه يحتاج إلى توفيق، قال النبي ﷺ لمعاذ رضي الله عنه:

«يا معاذ، والله إني لأحبك، فلا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك».

تأمل:

«اللهم أعني»… حتى على شكرك.

فالنعمة من الله، ومعرفة النعمة هداية منه، وحتى القدرة على شكر النعمة نطلب فيها عونه.

أنا محتاج إلى الله في النعمة، ومحتاج إليه في حفظها، ومحتاج إليه في الانتفاع بها، ومحتاج إليه حتى في شكرها.

حين تتحول النعمة إلى وهم بالاستغناء

ويبقى السؤال:

إذا كانت نعم الله بهذا الوضوح، فلماذا لا يشكر الإنسان؟

ولماذا تتحول النعمة عند بعض الناس، بدل أن تقربهم من الله، إلى سبب للغرور والبعد عنه؟

لعل من أخطر الأسباب أن يبدأ الإنسان شيئًا فشيئًا في رؤية نفسه بدل رؤية فضل الله.

يرى علمه، وماله، ونجاحه، وقدرته، ثم ينسى من أعطاه العلم والمال والعقل والقدرة.

وهنا ينتقل القلب من:

﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾

إلى:

﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾.

ولعل القرآن يكشف لنا عن أصل خطير وراء ذلك:

﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ ۝ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾.

وتأمل دقة التعبير:

لم يقل: لأنه استغنى.

بل:

﴿أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾.

رأى نفسه مستغنيًا.

ولكن هل يستطيع الإنسان حقًا أن يستغني عن الله؟ وهل يستطيع بعلمه وماله وتقنيته وقوته أن يعيش لحظة واحدة مستقلًا عن ربه؟

هذا ما نقف معه، بإذن الله، في الحلقة القادمة من رحلة بناء اليقين:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾… وهم الاستغناء.

0 0 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
0 0 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Scroll to Top
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x