كأنك تراه… رحلة في بناء اليقين

الحلقة الثانية: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾… من خلقك؟

من الآيات التي تستوقفني كثيرا، وأشعر كلما قرأتها أنها تخاطب الإنسان في أعماقه، قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ۝ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ۝ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. سؤال قصير في كلماته، لكنه عظيم في معناه: ما الذي يمكن أن يغر الإنسان بربه؟ وما الذي يمكن أن يشغله عنه، أو يقف بينه وبين الذي أعطاه وجوده وحياته؟ ثم إن القرآن لا يترك السؤال مفتوحا، وإنما يذكر الإنسان مباشرة بحقيقة لعلها من أعظم الحقائق التي ينبغي أن يبنى عليها اليقين: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾.

نحن نردد كثيرا أن الله خلقنا، وربما كان تكرار هذه الحقيقة منذ الصغر سببا في أننا لم نعد نقف عند معناها كما ينبغي. لكن حاول أن تتجرد للحظات مما ألفته، وأن تنظر إلى نفسك كما لو أنك تكتشف وجودك لأول مرة: أنت موجود الآن، ترى وتسمع وتتكلم وتفكر وتحب وتكره وتضحك وتبكي، ولكنك لم تختر أن تأتي إلى هذا العالم، ولم تختر زمان ولادتك ولا مكانها، ولم تختر والديك ولا صورتك ولا لون عينيك، ولم تصمم شيئا من تفاصيل جسدك. لقد وجدت نفسك في هذا الوجود، ومن هنا يبدأ سؤال بسيط جدا، لكنه من أعظم الأسئلة: من أين جئت؟ ومن أعطاك هذا الوجود؟

والقرآن يضع هذا السؤال أمام الإنسان في صيغة عقلية عجيبة في بساطتها وقوتها: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ۝ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾. ما الاحتمالات إذن؟ هل جئنا إلى الوجود من غير موجد؟ أم خلقنا أنفسنا؟ أما أنني خلقت نفسي فهذا شيء لا يستطيع عقلي أن يقبله؛ لأنني قبل أن أوجد لم أكن موجودا حتى أمنح نفسي الوجود. وأبي وأمي، وإن كانا سببا في مجيئي إلى الدنيا، فهما لم يخلقاني؛ لم يصمما عيني، ولم يبنيا دماغي، ولم يختارا عدد عظامي وشكل أعضائي وشبكة أعصابي وعروقي، بل هما أيضا جاءا إلى هذا العالم بالطريقة نفسها، وكانا في يوم من الأيام جنينين كما كنت.

بل يمكنني أن أتصور إنسانا يوجد بلا أب؛ ونحن نؤمن أن آدم عليه السلام خلق بلا أب ولا أم، وأن عيسى عليه السلام ولد بلا أب، لأن الأب في النهاية ليس خالق الإنسان. أما أن يوجد المخلوق بلا خالق، أو أن يخلق الشيء نفسه قبل أن يوجد، فهذا هو الذي لا يستقيم عندي عقلا. ولهذا أشعر كلما قرأت قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ أن القرآن لا يقدم لي جوابا جاهزا بقدر ما يضعني أمام السؤال ويطلب مني أن أجيب عنه بنفسي. واللافت أن السياق ينتهي بقوله تعالى: ﴿بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾؛ فكأن النظر في أصل وجودنا نفسه طريق من طرق بناء اليقين.

وقد يقول قائل: نحن مسلمون نؤمن بالله أصلا، فما حاجتنا إلى البحث في أدلة وجوده؟ والجواب أن الإيمان لا يمنع السؤال، وأن اليقين ليس درجة واحدة. إنني أؤمن بالله، لكن هذا لا يمنعني من أن أنظر وأفكر وأسأل، بل إنني كلما وقفت على آية من آيات الله في نفسي أو في الكون ازددت بها طمأنينة إلى طمأنينتي. وهذا المعنى نجده في قول إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. حاشا إبراهيم أن يكون شاكا في قدرة الله على إحياء الموتى، وقد أجاب بنفسه: ﴿بَلَىٰ﴾، ولكنه أراد مزيدا من طمأنينة القلب.

ولعل حاجتنا إلى هذا المعنى اليوم أكبر، خصوصا مع أبنائنا وشبابنا. نحن نعيش في عالم مفتوح، يسمع فيه الشاب المسلم أسئلة واعتراضات لم يكن يسمع كثيرا منها آباؤنا وأجدادنا، ومن حقه أن يسأل: لماذا أؤمن بالله؟ وما دليلي على أن لهذا الكون خالقا؟ وليس من الحكمة في نظري أن نخيفه من السؤال، أو أن نعتبر السؤال نفسه ضعفا في الإيمان. بل علينا أن نساعده على أن يسأل ويفكر ويبحث، حتى ينتقل إيمانه من مجرد شيء ورثه عن أسرته وبيئته إلى إيمان يعرف لماذا يحمله ويطمئن إليه قلبه.

ولست أرى أن أدلة وجود الله يجب أن تكون دائما شديدة التعقيد، تحتاج إلى تخصص في الفلسفة أو الفيزياء أو علوم الكون؛ لأن قضية الإيمان بالله ليست قضية تخص العلماء وحدهم، وإنما هي قضية الإنسان. ولذلك فإن القرآن كثيرا ما يعيدنا إلى أشياء يراها كل واحد منا: السماء، والأرض، والماء، والليل والنهار، ثم يعيدنا إلى أنفسنا: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.

يكفيني أحيانا أن أرفع رأسي في ليلة صافية وأنظر إلى السماء. لا أحتاج حينها إلى معرفة عدد النجوم ولا المسافات بينها حتى يثير المشهد في داخلي السؤال. هذا الكون الهائل الذي يكتشف الإنسان كلما تقدم علمه مزيدا من قوانينه ودقته ومقاديره، من أين جاء؟ يقول الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ ۝ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾. ويعجبني في هذه الآيات أن القرآن لا يقول للإنسان: لا تنظر ولا تسأل، بل يقول له: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾، ثم ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾. انظر، ثم أعد النظر، وتأمل فيما ترى.

وأقرب هذا المعنى أحيانا بمثال بسيط. لو أردنا أن نفرش غرفة بالزليج، فإننا نقيس مساحتها، وننظر في حجم القطع، ثم نقدر الكمية التي نحتاج إليها. هذا في بضعة أمتار من الأرض، فكيف حين أقف أمام كون هائل يقوم على قوانين ومقادير وعلاقات دقيقة؟ ليس المقصود أن هذا المثال البسيط يشرح أسرار الكون، وإنما المقصود أن فكرة النظام والتقدير نفسها تستدعي السؤال عن مصدرها. يقول الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾.

وقد يقول لي أحدهم: لكن العلم يفسر لنا كيف تتكون النجوم، وكيف تتحرك الأجرام، وكيف نشأ كثير من الظواهر التي تراها في الكون. وأقول: جميل، وهذا مما ينبغي أن نفرح به ونطلب المزيد منه. أنا لا أبحث عن الله في الأشياء التي لم يستطع العلم تفسيرها، حتى إذا فسرها العلم لم يعد فيها مكان للإيمان. إن معرفة كيف تعمل الأشياء لا تلغي السؤال عن أصل وجودها. اشرح لي كيف تتكون النجوم، ولكن سيبقى من حقي أن أسأل: من أين جاء الكون الذي تتكون فيه النجوم؟ ومن أين جاءت المادة والقوانين التي تعمل وفقها؟ إن معرفة الآلية شيء، والسؤال عن موجدها شيء آخر.

ثم إنني ربما لا أحتاج إلى أن أرفع رأسي إلى السماء، لأن أقرب الآيات إلي هي نفسي: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. انظر مثلا إلى عينك التي تقرأ بها هذه الكلمات. نستعمل أعيننا كل يوم حتى أصبح الإبصار عندنا أمرا عاديا، لكن هل توقفنا مرة لنسأل: ما معنى أن أرى؟ يصل الضوء إلى العين، وتجري فيها عمليات دقيقة، وتنتقل الإشارات إلى الدماغ، فإذا بي أميز في لحظة بين وجه ووجه، ولون ولون، وأعرف القريب من البعيد، وأقرأ الحروف وأفهم معانيها. وكلما شرح لي العلم تفاصيل هذه العملية ازددت إعجابا بها، ولم يقل سؤالي عن موجدها.

وانظر إلى يدك؛ تحمل بها شيئا ثقيلا، ثم تمسك بها بعد قليل قلما دقيقا فتكتب، وتأكل بها، وتصنع، وتدافع بها عن نفسك، وتصافح بها إنسانا، وتمسح بها على رأس طفل. ثم انظر إلى شيء نفعله جميعا دون أن نفكر كثيرا في عظمته: نضحك ونبكي. كلمة تسمعها فتحرك فيك شيئا فتضحك، وخبر أو ذكرى تمر بك فتدمع عيناك، والله تعالى يقول: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ﴾. ولعل كثرة اعتيادنا هذه الآيات هي التي حجبت عنا شيئا من عظمتها، لا أن الآيات قليلة أو بعيدة.

ومن أكثر ما يدعوني شخصيا إلى التأمل رحلة الإنسان في رحم أمه. كنت في يوم من الأيام جنينا لا تعرف شيئا عن هذا العالم، ولم تر ضوءا، ولم تمش على أرض، ولم تتنفس الهواء بالطريقة التي تتنفس بها بعد الولادة، ومع ذلك كان جسدك يبنى شيئا فشيئا استعدادا لحياة لم تدخلها بعد: عينان لعالم ستراه، وأذنان لأصوات ستسمعها، ورجلان لأرض ستمشي عليها، ويدان لأشياء ستمسكها، وأجهزة في جسدك ستؤدي وظائفها في العالم الذي ستخرج إليه. ثم تخرج فتجد عالما يناسب كثيرا مما أعددت له، وتجد غذاءك مهيأ لك في أول أيام حياتك. فمن كان يدبر كل هذا وأنت لا تعرف حتى أنك موجود؟ أمك لم تصمم أعضاءك، وأبوك لم يرسمها، وأنت قطعا لم تطلبها. ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.

ولا أقول بهذا إن العلم لا يعرف كيف يتكون الجنين، أو كيف تعمل العين، أو كيف تنتقل الصفات الوراثية. على العكس، فكلما عرفنا من ذلك أكثر اتسعت أمامنا مساحة التأمل. ليس دليلي على الله هو جهلنا بالآلية، وإنما السؤال عندي عن الآلية نفسها: من أوجد المادة التي تعمل بها؟ ومن أوجد القوانين التي تحكمها؟ ومن أين جاء هذا الوجود الذي نحاول نحن البشر أن نفهمه، ونحن أنفسنا جزء صغير منه؟

لكنني لا أريد أن ينتهي الحديث هنا إلى مجرد نتيجة عقلية تقول: إذن لهذا الكون خالق. فهذا مهم، ولكنه في رحلة اليقين ليس إلا بداية الطريق. السؤال الذي يعنيني بعد ذلك هو: إذا كان الله هو الذي خلقني، فما الذي يترتب على هذه الحقيقة في حياتي؟

وهنا أعود إلى الآية التي بدأت بها: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ۝ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾. إن القرآن يربط في مواضع كثيرة بين الخلق وحق الله علينا؛ فأول ما نزل من الوحي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۝ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾، وحين دعا الله الناس إلى عبادته قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فالذي خلق هو الذي يستحق العبادة، والذي خلق هو الأعلم بمن خلق: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.

وهنا أتذكر موقفا بسيطا لامرأة مسلمة محجبة كانت مع زميلة لها في العمل، فلما كانتا بين النساء نزعت حجابها، فرأت زميلتها شعرها وأعجبت بجماله، واستغربت كيف تخفي هذا الشعر الجميل عن الناس. وقد يكون سؤالها مفهوما تماما من داخل تصورها هي للحياة؛ لكن المسلمة تنطلق من أصل آخر. القضية بالنسبة إليها لا تبدأ من سؤال: هل شعري جميل أم لا؟ وإنما من سؤال أسبق: من أنا، ومن خلقني، وما علاقتي بخالقي؟ إنها ترى نفسها مخلوقة لله، تعبده وتطيعه، ومن هذا الأصل تفهم الحجاب والصلاة والصيام والحلال والحرام.

وهذا لا يعني ألا نبحث عن حكم أوامر الله ونواهيه، أو ألا نسأل عنها، بل نفعل ذلك ونعلّم أبناءنا أن يفعلوه. لكن هناك سؤالا يسبق سؤال: لماذا أمرني بهذا؟ وهو: من الذي أمرني؟ فإذا أيقنت أنه الذي خلقني، وأن علمه بي ليس كعلمي المحدود بنفسي، فهمت معنى قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾. وهنا يتحول الإيمان من معلومة في العقل إلى مرجعية للحياة.

وبعد هذه الرحلة كلها، أعود إلى السؤال الأول، وكأنني أقرؤه من جديد: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾؟ ما الذي يمكن أن يغرني عن الذي خلقني؟ وما الذي في هذه الدنيا يستحق أن يقف بيني وبينه؟ لقد أعطاني عيني التي أبصر بها، وعقلي الذي أفكر به، ويدي التي أبطش بها، ولساني الذي أتكلم به، ثم أستعمل ما وهبني إياه في الابتعاد عنه؟

إن اليقين بأن الله خلقنا ليس جملة نحفظها في درس من دروس العقيدة ثم ننتقل إلى غيرها، بل حقيقة إذا انتقلت من العقل إلى القلب تغير نظرتنا إلى الحياة. فإذا أيقنت أنه خلقني عبدته، وإذا أيقنت أنه خلقني وثقت بعلمه، وإذا أيقنت أنه خلقني نظرت إلى أوامره ونواهيه بطريقة أخرى، وإذا أيقنت أنه خلقني استحييت أن أستعمل نعمه في معصيته.

ولذلك، بعد أن نسأل: من خلقني؟، لا ينبغي أن نتوقف هناك. بل يأتي سؤال أشد قربا منا:

إذا كان الله هو الذي خلقني، فكيف ينبغي أن أعيش مع خالقي؟

وهنا نكون قد خطونا خطوة أخرى في رحلة بناء اليقين؛ حتى لا نعرف الله معلومة فحسب، وإنما نعيش إيماننا به…

كأننا نراه.

0 0 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
0 0 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Scroll to Top
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x