الحلقة الثامنة: لماذا لا يستحق العبادة إلا الله؟
تحدثنا في المقال السابق عن حق الله على عباده في أن يعبدوه، انطلاقًا من قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا». وقد بينا لماذا يستحق الله العبادة مع غناه المطلق عن خلقه، وكيف أننا نحن المحتاجون إلى هدايته ورحمته. واليوم نتوقف عند الشق الثاني من الحديث: «ولا يشركوا به شيئًا». فلماذا لا يستحق أحد العبادة إلا الله؟ وما معنى أن يعبد الإنسان غير الله؟ وهل انتهت عبادة الأصنام بتحطيم اللات والعزى ومناة، أم أن القضية أعمق من مجرد أحجار كانت تُعبد؟
قد يظن بعض الناس أن مشركي قريش كانوا ينكرون وجود الله، أو يعتقدون أن الأصنام هي التي خلقت السماوات والأرض ورزقت الناس ودبرت شؤون الكون. لكن القرآن الكريم يقدم لنا صورة مختلفة عن معتقداتهم. يقول الله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: 31].
تأمل هذه الإجابة التي سجلها القرآن على ألسنتهم: من يرزقكم؟ الله. من يملك السمع والأبصار؟ الله. من يحيي ويميت ويدبر الأمر؟ الله. بل إنهم كانوا يلجؤون إليه مخلصين له الدعاء حين تشتد بهم الأزمات وتنقطع بهم الأسباب، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: 65].
فكيف سماهم الله مشركين مع أنهم كانوا يقرون بوجوده، ويعترفون بأنه الخالق والرازق والمدبر؟
هنا نصل إلى حقيقة عظيمة من حقائق التوحيد: ليس كل من آمن بوجود الله قد حقق التوحيد الذي جاءت به الرسل، وليس مجرد الاعتراف بأن الله هو الخالق والرازق كافيًا لإخلاص الدين له. فقد كان مشركو قريش يقرون بربوبية الله، لكنهم لم يفردوه بالعبادة، بل جعلوا معه آلهة يتقربون إليها ويطلبون شفاعتها.
وقد كشف القرآن عن مبرراتهم لهذه العبادة، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ [الزمر: 3]، وقال سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18].
إذن لم تكن المشكلة أنهم أنكروا الله، وإنما أنهم صرفوا شيئًا من العبادة إلى غيره. ولذلك لم تكن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم مجرد دعوة إلى الاعتراف بوجود الله، وإنما إلى إفراده بالعبادة، وهذا هو معنى «لا إله إلا الله»: لا معبود بحق إلا الله. وقد فهم مشركو قريش ما تقتضيه هذه الدعوة من ترك آلهتهم، ولذلك قالوا مستنكرين: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5].
ولكن لماذا لا يستحق غير الله أن يُعبد؟
لأن العبادة أعظم مراتب الخضوع والتعظيم والمحبة، ولا يستحقها إلا من له الكمال المطلق، وهو الله سبحانه، الخالق الذي أوجد كل شيء من العدم، والرازق الذي لا يستغني عنه أحد، والحي الذي لا يموت، والغني الذي يفتقر إليه جميع خلقه. أما كل ما سوى الله فهو مخلوق محتاج، مهما بلغت قوته ومكانته، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا استقلالًا عن مشيئة خالقه. فالإنسان يبدأ حياته ضعيفًا عاجزًا، ثم مهما بلغت قوته وعلمه وماله، يبقى محتاجًا إلى الله في كل لحظة، ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه الموت إذا جاء أجله. فكيف يستحق أن يُمنح شيئًا من حقوق الألوهية؟
يقول سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 17]. ويقول: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: 191-192].
ومن هنا نفهم لماذا كان الشرك أعظم الظلم، كما قال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. إنه ظلم لأنه صرف لأعظم الحقوق إلى غير مستحقها، ومساواة للمخلوق بالخالق فيما لا يجوز أن يساويه فيه أحد.
لكن ما معنى أن يعبد الإنسان غير الله؟ وهل العبادة محصورة في السجود للأصنام؟
إن العبادة أوسع من ذلك، فهي تشمل الدعاء والتقرب والتذلل والخوف والرجاء والمحبة والتوكل، حين تكون على الوجه الذي لا يستحقه إلا الله. فقد يسجد الإنسان لصنم، وقد يذبح لمخلوق تقربًا إليه، وقد يدعو غير الله دعاء عبادة، أو يعتقد فيه من صفات الألوهية ما لا يكون إلا للخالق.
فالإسلام لم يحارب اللات والعزى ومناة لأسمائها، ولا لأشكالها، ولا لأنها صُنعت من حجارة أو أخشاب، وإنما حارب عبادتها لأن الناس رفعوها إلى مقام لا تستحقه، ومنحوها من الخضوع والتعظيم والتقرب ما لا ينبغي أن يكون إلا لله. فالمشكلة لم تكن في الحجر، وإنما في الإنسان الذي جعله إلهًا. ولو تغير اسم الحجر وشكله ومادته، وبقيت العبادة المصروفة إليه، لبقيت حقيقة الشرك نفسها.
ومن هنا نفهم أن الأصنام الحجرية قد تتحطم، ولكن الخطر الذي أدى إلى عبادتها لا يزول من حياة الإنسان بمجرد تحطيمها. فقد تتغير الأسماء والأشكال، وتبقى القلوب معرضة لأن تمنح غير الله مكانة لا يستحقها. يقول سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165].
وهنا قد يتساءل الإنسان: هل يمكن أن يتحول حبي للمال أو لفريق رياضي أو لحزب سياسي أو لشخص معين إلى عبودية لغير الله؟ وأين تقع الحدود بين المحبة الطبيعية والتعلق المذموم والشرك؟
لنفترض أن شخصًا يحب كرة القدم، ويتابع مباريات فريقه المفضل، ويفرح بانتصاراته ويحزن لهزائمه، وينفق من ماله ويسافر أحيانًا لمتابعته. فهذه المحبة في أصلها لا تعني أنه يعبد فريقه، ما دامت في حدود المباح ولا تضيع عليه واجبًا. لكن ماذا لو أصبحت تدفعه إلى تضييع الصلاة، أو الاعتداء على الآخرين، أو التعصب الذي يجعله يظلم الناس من أجل فريقه؟ هنا أصبحت محبة تدفع صاحبها إلى تجاوز حدود الله.
وقد يحدث الأمر نفسه مع الانتماء السياسي أو الفكري، حين يصبح الإنسان مستعدًا لتبرير الظلم ورفض الحق لمجرد أن الظالم من حزبه أو أن الحق جاء من خصومه. أو حين يبالغ في تعظيم شخص أو زعيم أو شيخ حتى لا يقبل نقده، ويبرر أخطاءه مهما بلغت. وقد يستولي حب المال على قلب إنسان حتى يصبح مستعدًا لأكل الحرام وظلم الناس من أجل جمعه.
وليس كل تعلق شديد شركًا، ولا كل معصية يرتكبها الإنسان بسبب محبته لشيء تعني أنه اتخذه إلهًا. فقد يعصي المؤمن ربه وهو يعلم أنه عاصٍ، ويقر بأن ما فعله حرام، ويرجو المغفرة. لكن هذا لا يعني أن هذه التعلقات مأمونة العاقبة؛ فكلما ضعف الإيمان وقلت مراقبة الله في القلب، ازداد خطر أن تستولي المحبة أو الشهوة أو العصبية على الإنسان، حتى تصبح هي التي توجه مواقفه واختياراته، وقد تقوده إلى انحرافات أشد.
يقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23].
ويحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ»، ثم يقول: «أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ»، ويختم الحديث بالتنبيه إلى القلب: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ». متفق عليه.
فليس كل من رعى حول الحمى قد دخله، لكنه عرض نفسه لخطر الوقوع فيه. وكذلك فإن الاستهانة بالتعلقات التي تضعف الإيمان قد تفتح على الإنسان أبوابًا من المعاصي والانحرافات، وإن لم تكن في ذاتها شركًا.
ونحن حين ننبه إلى هذه المخاطر، لا نحب تصيد التهم للناس، ولا نتعجل في الحكم على عقائدهم ونياتهم، لكننا أمام سلوكيات قد تكون لها عواقب خطيرة على علاقة العبد بربه. فليس هدفنا البحث عن المشركين بين الناس، وإنما تذكير أنفسنا وغيرنا بضرورة إخلاص العبادة لله وحفظ القلوب من كل تعلق ينازع حقه سبحانه.
وإذا كانت بعض هذه التعلقات قد تضعف الإيمان وتدفع إلى المعاصي، فإن هناك ممارسات لا تزال موجودة في مجتمعاتنا اليوم، رغم مرور أكثر من أربعة عشر قرنًا على بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، تتصل مباشرة بحقيقة الشرك الذي جاء الإسلام لمحاربته.
فما زلنا نسمع عن أناس يذبحون للجن تقربًا إليهم، أو يقدمون القرابين طلبًا لرضاهم ودفعًا لشرهم، أو يستغيثون بالأموات فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو يلجؤون إلى طقوس يعتقدون أنها تسترضي أرواحًا خفية وتمنحهم الحماية والبركة. بل قد تختبئ بعض هذه الممارسات وراء أسماء العادات والتقاليد والتراث الشعبي، أو تتردد في أغانٍ وطقوس يصفها البعض بأنها دينية، وفيها نداءات موجهة إلى أسماء ترتبط في بعض المعتقدات الشعبية بالجن والأرواح، كـ«عيشة» و«ميمونة» وغيرهما.
وليس مجرد ذكر هذه الأسماء كافيًا للحكم على شخص بالشرك، لكن إذا تضمنت الممارسة دعاء الجن دعاء عبادة، أو الاستغاثة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو تقديم القرابين لهم تقربًا وخضوعًا، فإننا أمام أفعال تمس أصل التوحيد، ولا يجوز التهوين من خطورتها لمجرد أنها تسمى تراثًا أو عادة شعبية.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ». رواه مسلم.
ومن المظاهر التي ينبغي التنبيه إليها كذلك الخوف المفرط من الجن والسحر، حتى يصبح بعض الناس أسرى لهذا الخوف، فيلجؤون إلى المشعوذين أو يقبلون منهم ممارسات محرمة طلبًا للحماية. فالخوف الطبيعي من الأذى ليس شركًا في ذاته، والسحر قد يقع به الضرر بإذن الله، لكن الخطورة حين يعتقد الإنسان أن مخلوقًا يملك النفع والضر استقلالًا عن الله، أو يدفعه خوفه إلى التقرب إلى الجن واللجوء إليهم بما لا يجوز صرفه إلا لله. قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 102].
ومن هنا نفهم خطورة الشرك، ولماذا قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. وهذا الوعيد في حق من مات على الشرك دون توبة، أما من تاب إلى الله توبة صادقة فإن باب رحمته مفتوح له.
إن التحذير من الشرك واجب، لكن الحكم على فعل بأنه شرك لا يستلزم بالضرورة الحكم على الشخص المعين بأنه مشرك خارج من الإسلام؛ فذلك له ضوابطه وشروطه. ولا ينبغي أن يمنعنا الحذر من التسرع في اتهام الناس من بيان خطورة الأفعال نفسها.
ولعل من أعظم ما يعيننا على حفظ قلوبنا أن نستحضر وصية النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حين قال له:
«يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ». رواه الترمذي.
ما أعظم هذه الوصية، وما أحوجنا إلى أن نربي عليها قلوبنا وأبناءنا! فالناس جميعًا، مهما بلغت قوتهم ومكانتهم وسلطتهم، لا يملكون أن ينفعونا أو يضرونا استقلالًا عن مشيئة الله. وإذا استقرت هذه الحقيقة في القلب، عرف الإنسان إلى من يتوجه بالدعاء، وعلى من يتوكل، ولمن يخضع خضوع العبادة. يأخذ بالأسباب المشروعة، ويستعين بالناس فيما يقدرون عليه، لكن قلبه يبقى متعلقًا بالله وحده.
فليست القضية أن نتوقف عن محبة الناس والأشياء، وإنما أن نضع كل محبة في مكانها، وأن يبقى لله في قلوبنا من التعظيم والخضوع والمحبة والرجاء ما لا يستحقه سواه.
وإذا كان الله وحده هو الذي خلقك ورزقك، وبيده نفعك وضرك، وإليه مرجعك ومصيرك، فمن سواه يستحق أن تعبده؟
نسأل الله أن يملأ قلوبنا بمحبته وتعظيمه، وأن يرزقنا الإخلاص في عبادته، وأن يعيذنا من الشرك كله، ما علمنا منه وما لم نعلم، وأن يجعلنا ممن يلقونه بقلوب سليمة.